طالعتنا الصحف اليومية قبل فترة بمانشيتات و إفتتاحيات تضمنت حديث سمو الأمير الى رؤساء تحرير هذه الصحف. و الغريب إن كل صحيفة فسرت ما تضمنه الحديث "الصريح" على هواها الخاص بل و قام بعضها بالرد عبر رسائل خالفت ما ورد في هذا الخطاب. و أنا الى اليوم لم أعرف حقيقة ما دار في هذا الإجتماع و لم أفهم المغزى منه أو ما يود سمو الأمير نقله ! 9
هنا لدينا ثلاث إحتمالات ! 9
الأولى هي إن سمو الأمير يشير الى "عشقه" للديمقراطية كما ورد في نص اللقاء و يزيح بذلك إحتمالية الحل غير الدستوري. و هنا يجب أن ننتبه الى الدور الذي ما إنفك "كاتب الوحي" السيد جاسم الخرافي أدائه و هو تفسير كلام سمو الأمير بمضامين تتفق و القول الشعبي "كل من يجر النار صوب قرصه". فالسيد الخرافي طالبنا جميعاً بأن ننتبه الى المضامين الخفية لكلام سمو الأمير و الى أن "نقرأ ما بين السطور" ! 9
حسناً .. أنا لا أريد أن أقرأ ما بين السطور ! أريد أن أقرأ ما على السطور .. و ما على السطور فقط ! الى اليوم لم أتأكد إن كانت الكلمات موجهة الى عموم الشعب الكويتي أو وسائل الإعلام التي تصب النار على الزيت. إن كانت الكلمات موجهة الى الشعب فلماذا لم يتم ذلك عبر خطاب مفتوح الى الشعب الذي سينتبه الى ما سيقوله والد الجميع و يعي مضامين الخطاب دون الحاجة الى رسل يفسرون كلاماً سهلاً سلساً يستطيع سمو الأمير نقله بكل أريحية و حب و أبنائه و لا يخشى أن يواجه الجميع بأخطائهم و خطاياهم ! 9
لم يستغل الخرافي وحده هذه الفرصة. بل هناك نواب تراجعوا عن مواقفهم في قضايا مطروحة على الساحة بحجة الإستجابة لهذا الخطاب "المزعوم". هناك نواب خَفُت صوتهم بصورة ملحوظة. و من يقول بأن الخطاب قد نجح في قلب المواقف المتشددة و تليينها ، أقول له انت مخطأ. فبعد الخطاب بثلاثة أيام خرجت علينا السيد الجويهل في مقابلة إستفزازية أخرى على قناة سكوب التي أخرجت لنا برامجها الساقطة التي أشعلت فتنة جديدة. 9
الإحتمال الثاني هو أن السيد الخرافي صحيح في تفسيره و أن سمو الأمير فعلاً يهدد بحل مجلس الأمة حلاً غير دستورياً. و هذا يتناقض مع كافة الخطابات و الوعود السابقة و النطق السامي في إفتتاح الفصول التشريعية و دور الإنعقاد. لكن إن فرضنا جدلاً بصحة هذا الإحتمال فهذا يعني بأننا نعاقب لأن غيرنا سرق و أننا أصواتنا تخنق لأن الآخرين سبوا و شتموا و أننا نحاسب لأن غيرنا أخفق و لم تتم محاسبته. 9
هل يجوز لنا ان نمنع إستيراد أجهزة التلفاز لأن هناك من أساء إستخدامه و أصبح يشاهد البرامج غير المفيدة فيه ؟ هل لنا أن نمنع تقنية "البلوتوث" لأن هناك من إستغل هذه التقنية بشكل بشع وخاطئ ؟ هل يجوز أن تسلب حرياتنا و أن تقمع ديمقراطيتنا بحجة أن هناك من أساء إستغلال هذه الحرية و المناخ الديمقراطي ؟ أليس من الأولى أن نحاسب هؤلاء ؟ ألم يكن هذا ما طالب به الجميع من تجريم لفتن الكراهية و الطائفية و الفئوية ؟ ألم تقف وزارة الداخلية موقف المتفرج مما يجري ؟ أما زالت وزارة الإعلام صامتة على المخالفات المتكررة لقوانين النشر و الإعلام المرئي ؟ ألا نعرف علاقة وسائل الإعلام هذه و مثيري الفتنة من سياسين و رجال دين و وجهاء إجتماعيين بأقطاب السلطة ؟
ما نلحظه اليوم هو اللامبالاة التامة لمثل هذه الخطابات ، فبعد إسبوعين ما عاد أحد يتذكر توجيهات سمو الأمير للأسف الشديد. فمن الخلية الإرهابية و مخطط التفجير الى جلسة المسرحين الى أنفلونزا الخنازير و المطالبات بتأجيل العام الدراسي الى فضيحة الصرف الصحي التي أزكمت أنوف الجميع. 9
أزمة تجر أزمة .. و رصيد الثقة في خطاب السلطة بدأ يتهاوي كما تتهاوي أحجار "الدومينو" فوق بعضها البعض. من يؤمن بأن مخطط الإنقلاب على الدستور قائم ما عاد يكترث لما يجري أو يقال حوله ، لأنه ينتظر ساعة الصفر حين يتم حل مجلس الأمة و توأد الحريات. و نقيضه الي يطالب بذلك ، بات يرى الفرصة تلو الأخرى تمر دون أن يتم تنفيذ أحد تلك التهديدات المبطنة حتى نفذ صبره و فقد الأمل. 9
و هذا هو الإحتمال الثالث ، و هو الأخطر ، و هو جر الجميع الى حالة "اللامبالاة". الى أن يزداد الألم حتى تدمر خلايا الحس و الإحساس فينا و تقتل حواسنا الخمس و إدراكنا لما يدور حولنا و ما يختلج في صدورنا من أسى على حال هذا الوطن فما نعود نشعر بالألم مهما تعاظم مقداره. فيفقد الجميع القدرة على المقاومة و يسير مخدراً بلا وعي و بلا رغبة الى حيث يريدون أن نسير. 9
تبدو السلطة اليوم "فاقدة للسيطرة" تماماً .. فلا "ثقة" بخطابها .. و لا تمتلك "القدرة" على التأثير و لا "الجرأة" في المبادرة و لا "الحزم" في المواجهة .بل أكاد أقول أنها لا تملك "الرغبة" في التصحيح. لذا أعتقد بأنه من الواجب علينا ان نكف عن محاولة تفسير خطاب السلطة بما يتناسب و أهدافنا السياسية و أن نتمنع عن محاولات التأثير عليها و الإغراق في مقالات التحليل لأفكار و منهجيات "شيوخنا الأعزاء" و أن نلتفت الى محاولات الإصلاح من الداخل و أن نبدأ عملية التغيير المجتمعي من الأسفل الى الأعلى بدلاً من الأعلى للأسفل. فقد جاء في محكم كتاب الله "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" و ليس حتى يغير قادة القوم ما بعقولهم ! 9
اليأس من الوطن هو أخطر الآفات !! فإياكم أن تظنوا بأن هذه الوسيلة المثلى لإدارة شئون هذا الشعب. هذا الوطن الذي كان جميلاً و ما زال يحمل بعض صفات هذه الجمال يستحق أفضل بكثير من الخطابات و الشعارات التي تُدبَج بليل و تٌذبَح و تُمسَح قبل طلوع الفجر. 9
إنكم تقودونا الى الهاوية ! فأنتم كالصورة المنشورة أعلاه .. البطة التي قادت أبناءها الى بالوعة المجاري !! 9
9