Showing posts with label بهاء طاهر. Show all posts
Showing posts with label بهاء طاهر. Show all posts

Monday, 8 November 2010

شرق النخيل لبهاء طاهر

في داخل كل شعب جماعة تنبح وراء من يلقي لها العظمة .. و في داخل كل إنسان ذلك "الكلب" الذي ينبح و من المهم أن يخرس

رواية متوسطة الحجم للكاتب بهاء طاهر و تدور أحداثها حول الإنتماء للأرض و الوطن و تناقش أمراً إجتماعياً هاماً قلّما التفت إليه نقاد الرواية ، و هو الحراك المجتمعي لطلبة الجامعة و آثار هذا الحراك على القضايا العامة للمجتمع. 9

يقص أحداثها راوياً لا نعرف له اسماً ، في خطين روائين يدفعان بنفس الفكرة. في الخط الأول يتذكر الراوي أحداثاً عاشها في صباها حين تكاسل أباه خوفاً أو طمعاً عن نصرة شقيقه في وجه الطامعين في أرضه الريفية ، و الشرخ الذي حدث في العائلة نتيجة هذا التخاذل. تدفع هذه الحادثة للراوي الذي ذهب الى القاهرة لإستكمال دراسته الجامعية لإهمال دراسته و يبدأ بمعاقرة الخمرة و يتحول الى شبه إنسان يعجز حتى عن فهم ناهيك عن الإستجابة لمحاولات التودد التي تقوم بها زميلته. و يتساءل الراوي : "لم لا يموت الإنسان حين يود أن يموت ؟". 9

حتى يكتشف بأن زميله في السكن ، كان يمارس الكتابة السرية التي لاحقها رجال الأمن. هذا الإكتشاف هو الدافع وراء التغيير الذي بدأ حين تحاور مع زميله حول أسباب الكتابة و التعرض للملاحقات. فكان الرد هو "غياب الضمير العالمي" عما يجري في بلاد العالم الثالث. فالضمير العالمي يتحرك حسب الطلب ، و الطلب دائماً في صحف العالم صهيوني. و لن يشفى هذا الضمير العالمي و يتحرك لصالحنا إلا إذا أطلقنا كل مدافعنا و حررنا كل أرضنا. 9

و محاولات التبسيط التي لاحقت هزائم العرب و آذت ضمير رفيق السكن هي ما دفعته لإيقاظ ضمير الآخرين. فالهزيمة التي نعيشها إسمها نكسة ، و النكسة حدثت لمجرد صدفة و سنصلحها بإذن الله بعد أن نزيل آثار العدوان ، أما الفلسطينيون فقد فقدوا وطنهم لأنهم باعوا وطنهم لليهود ، و أما العرب فهم يخوننا و يتخلون عنا في كل حرب ، و مع ذلك فيجب أن نحتملهم ، لأن هذا هو "قدرنا". 9

يتعرف بعد هذه الأحداث على حياة زميل فلسطيني إختار الشهادة في محاربة اليهود و كان كل ما فعله أنه ذهب هناك مثل أبيه و مثله قرر ألا يموت ضحية و أن يعود دمه لأرض وطنه. و من خلال هذا الدمج الرائع لفكرة واحدتين في قضيتين أحداها فردية و الأخرى جماعية ، يبدأ الراوي في تكرير نفس الشعار الذي حمله زملائه في المظاهرات الطلابية التي إجتاحت الجامعات المصرية للمطالبة بالإستفاقة من هزيمة 1967 .. إصحي يا مصر .. إصحي يا مصر .. إصحي يا مصر ! 9

و ما زال المصريون نائمون .. و نحن بجانبهم ! 9

Wednesday, 10 March 2010

الحب في المنفى لبهاء طاهر


متى بدأت الكلمات تصبح مجرد كلمات ؟ الثورة و العروبة و الاشتراكية و العدل ؟ كلمات للمقالات و الندوات و لكنها ليست للحياة ! 9

رواية خيالية رتيبة الأحداث وبطيئة للأديب بهاء طاهر حاصلة على جائزة الدولة التقديرية عام 1985 و جائزة "الزياتور" الإيطالية لكنها تستند على بعض الوقائع الحقيقية استطاع الكاتب بلغة بسيطة فيها أن يفجر الصراع الإنساني ويعمق أحاسيسه. تدور أحداثها في بداية الثمانينيات أثناء الاحتلال الإسرائيلي لبيروت عن صحفي مصري ناصري في الخمسين من عمره، صدم في ما آلت إليه بلاده بعد رحيل عبد الناصر و إنتقال البلاد من زعيم إلى قائد. مر بعدة إضطرابات في حياته الزوجية إنتهت إلى الطلاق من زوجته. وصل لمنصب نائب رئيس التحرير في احد الصحف القاهرية الكبرى في عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي بوفاته انقلبت الأمور رأسا على عقب فوق رأس بطل الرواية حيث انه محسوب بقوة على التيار الناصري حتي أنهم يطلقون عليه في الجريدة بالقاهرة "أرملة الفقيد" والذي استبعد بعد رحيل الزعيم إلي الخارج لأنه رفض مسايرة الركب معلنا أنه ليس للبيع. وبالتالي كان لابد من التخلص منه بعد ثورة التصحيح و محاكمة مراكز القوى و نظراً لأنه لم يكن هناك ما يدينه قانونياً تم إبعاده بأن تم تعيينه مراسلاً للصحيفة في المدينة الأوروبية التي تدور فيها احداث الرواية. فالمنفى وطن ثان للهاربين من أوطانهم بزعم أنهم وحدهم العاشقون لتراب الوطن، الراغبون في مجده ورفعته، الرافضون لأحواله حين تركوه، المعارضون، والمحتجون والمالكون لفصاحة اللغة وقدرة المناورة بالكلام. 9

تناقش الرواية و التي تدور أحداثها عام 1982 الاجتياح الاسرائيلي الغاشم للبنان و مذابح صبرا و شاتيلا و شهادات بعض شهود العيان كالممرضة النرويجية و احد اليهود الأمريكان ممن عاصروا هذه المذبحة البشعة و تتناول الرواية كيف تعاملت بعض وسائل الأعلام الأوروبية المسيطر عليها اللوبي الصهيوني مع مذابح كهذه و كيف صوروها على إنها مذابح بين العرب وبعضهم البعض وكيف ان اسرائيل لا دخل لها بهذه المذابح البشعة. 9

كما تتناول الرواية من خلال بطلتها "بريجيت" التفرقة العنصرية التي عانت منها منها في بلدها "النمسا" من خلال ارتباطها بصديقها المواطن الأفريقي الأسود و كيف واجهت أقسى و أبشع وسائل القمع والإذلال من قبل مواطنيها البيض لمجرد أنها تزوجت من مواطن افريقي ملون و كيف تطورت الأمور حتى تسببت هذه العنصرية في إجهاضها و ضياع حبيبها وحبها مما اضطرت معه أن تهاجر من بلدها الى هذه المدينة الأوروبية التي تدور من خلالها احداث الرواية. 9

كما تحتوي الرواية على العديد من الشخصيات والأحداث المتقاطعة و المتشابكة بدءاً من علاقات الناصريين بالشيوعيين السابقين من خلال علاقة بطل الرواية الناصري القديم بصديقه "ابراهيم" الشيوعي القديم والحديث عن نشأة كل منهما و الأسباب التي أثرت على اتجاهاتهما و انهيار الحلم الناصري والقومية العربية ووضع الأمة العربية والإحتلال الإسرائيلي للبنان. و تعرج الرواية على إنتهاك حقوق الأنسان بأمريكا الجنوبية و بالتحديد في شيلي من خلال شخصية "بيدرو" كما تناقش مشاكل مهاجري امريكا الجنوبية في اوروبا و معاناتهم من خلال إقاماتهم غير الشرعية. و تحمل في ثناياها إدانة الحضارة الغربية وتتنبأ بأفولها لأنها قامت على الجشع والعنصرية ورغم وفاة البطل لأن حياته فقدت معناها، وإحباط الشخصيات واغترابهم، إلا أن الرواية حملت بشرى الخلاص، وتدعو للتفكير في السبب أو الأسباب التي دفعت هذه الشخصيات إلى أن تصبح على ما هي عليه. 9

توثق الرواية لجرائم الصهيونية في مخيمات الفلسطينيين بلبنان فتورد شهادة حقيقية لممرضة نرويجية عما حدث في مخيم عين الحلوة، وفي الفصل الأخير شهادة حقيقية للصحفي الأمريكي رالف عما حدث في صبرا و شاتيلا ومسئولية الاحتلال الإسرائيلي عن المذبحة التي أرادت أن تلصقها بالآخرين و تمثل الرواية إدانة للصمت العربي إزاء جرائم الصهيونية التي لا تنتهي حيث يتساءل بطل الرواية : "كيف تكون هذه المجزرة اليومية حرباً ؟ و كأنه يمكن ان تكون هناك حرب فعلاً بين جيش جرار يملك أحدث الطائرات و يلقي أفتك القنابل من الجو و من البحر على مدينة يحاصرها و لا تملك طائرة واحدة و لا جيشاً و لا أسطولاً". أسأل كيف تكون حرباً ان يدافع مئات أو بضعة آلاف عن هذه المدينة بالبنادق و الرشاشات أو حتى بالمدفعية و الدبابات ؟ أين هي الحرب في هذه المذبحة اليومية ؟ لاشيء غير الدبابات والقنابل تطير و تدك، و الطائرات تقصف و جنود إسرائيل الأصحاء يبتسمون على الشاشة و هم يرفعون رشاشاتهم بعلامات النصر، و في المخيمات يجري الأطفال عرايا والأمهات بالشباشب البلاستيك وهن يلطمن وجوهن وسط أكواخ انزلقت أسقفها على جدرانها لتصنع أكواماً مهووشة من التراب و الطوب و أسياخ الحديد الملتوية وسط دخان أسود ودخان أبيض. 9

ورغم وفاة البطل لان حياته فقدت معناها، واحباط الشخصيات واغترابهم، فإن الرواية حملت بشرى الخلاص وتدعو للتفكير في الاسباب التي دفعت هذه الشخصيات الى ان تصبح على ما هي عليه. كل الشخصيات الموجودة في الرواية بدأت ناجحة طموحة وانتهت بالفشل. و يحذر الكاتب من أخطاء التطرف الذي إجتاح المنطقة العربية لأن كل الشرور التي عرفت في الدنيا خرجت من ذلك الكهف المعتم. تبدأ فكرة و تنتهي شراً : أنا على حق و رأيي هو الأفضل. أنا الأفضل إذن الآخرون على ضلال. أنا الأفضل لأني شعب الله المختار و الآخرون أغيار. الأفضل لأني من أبناء الرب المغفورة و الآخرون هراطقة. الأفضل لأني شيعي و الآخرون سنة أو لأني سني و الآخرون شيعة. الأفضل لأني أبيض و الآخرون ملونون أو لأني تقدمي و الآخرون رجعيون و هكذا الى ما لا نهاية. 9

هي شهادة المنفى والمغترب و بوح الذات المنكسرة أو الأنا الصادقة في لحظات الاحتضار و تجميع شتات الغربة التي ترى الوطن و محاكمة أحلام المجد الى هاوية السقوط حيث لا وطن ولا قومية ولا حلم فالكل يتهاوى. و تبدو الرمزية السياسية عالية و ذات دلالات واضحة فالراوي يمثل فترة جمال عبدالناصر وزوجته "منار" تمثل مصر الانفتاح التي إنها تغيرت بعد أن كانت ذات مبادئ فالمال لم يكن الشيء المهم في حياتها ولكنها أصبحت انتهازية فيما بعد وبدأت مشاريعها الخاصة حيث بدأت تدخر لحسابها الخاص وتشتري الفضة من خان الخليلي ثم تعيد بيعها عندما ترتفع الأسعار. وابناؤه يمثلون فترة جماعات العنف و "ابراهيم" يمثل مرحلة المعتقلات والمنفى والحرب الأهلية ببيروت و تمثل شخصية "الأمير حامد" الخداع وتعدد الأقنعة لدى المواطن العربي مع محاكمة للصحافة العربية على امتداد الوطن لآفاتها المتعددة. 9

يقول الكاتب على لسان البطل "أريد أن أفهم، من أكثر من خمسين سنه أحاول أن أفهم، حاول الطفل وحاول الرجل ورجع الطفل ومات الرجل وكله دون فائدة. مائة سنه لا تكفي. عمر كامل نحياه ولا نستطيع أن نفهم الحكمة والحقيقة. الأمور تختلط رغباتنا و مبادئنا ، علاقتنا بالآخرين و ذاتنا و الأهداف و السبل". لكن بهاء طاهر لا يستطيع أن يقتل ذلك الحلم فيه في الوطن الوليد الطفل .. طفل هو أنت و هو أنا .. نعيش فيه معاً و نعيش معه .. بعيداً .. في جزيرة أو فوق جبل. نعلمه ان يحب الأشجار و الزهور و الشعر و نعلمه كيف يتخذ من الشجر أصدقاء له .. يصغي لما تقوله أغصانها و يفهم الرسائل التي تبعثها أوراقها المتساقطة. نعلمه أيضاً ألا ينساها في الخريف. يقول للشجرة إنه معها في عذاب الموت و الميلاد و إنه هو أيضاً سيولد معها من جديد حين تنبت أوراقها الخضراء مرة أخرى. لكنه لن ينساها و هي تقف عارية في الشتاء بل يمنحها الدفء. دعنا ننجب ذلك الطفل. 9


Wednesday, 15 July 2009

خالتي صفية و الدير لبهاء طاهر

"و كان يرتجل أيامها دائماً لليل. لليل الطويل. لليل الذي تنشب نجومه جذورها في السماء. لسلاسل الفضة التي تقيد الظلمة في السماء فلا يتحرك النجم و لا يتحول الليل. و ساعتها كانت تصعد من صدور فارس و الرجال آهات ملتاعة ، آهات تحمل أشجانهم و أحزانهم المنسية ، و كانت الدموع تنزل من عيني و أنا أفكر في حربي القديم و ارتجالاته التي صارت كلها للحزن" 9

تسعون صفحة من الحجم الصغير .. هذا هو حجم هذه الرواية التي لا اعرف كيف مُطّت لتصبح مسلسلاً تلفزيونياً !! هذه الرواية كانت أولى الروايات المنشورة لبهاء طاهر و التي نشرت على شكل سلسلة مجزأة في مجلة الهلال قبل أن تُجمع و تنشر في عام 1991. 9
تتحدث الرواية عن تلك القرية الوادعة التي حوت قصة الحب الخفية بين "صفية" و "حربي". صفية تلك البنت اليتيمة و التي يصف راوي الأحداث بأنها أجمل نساء في العالم بعد فاتن حمامة و التي عاشت عند ابن عم حربي الرجل الوسيم ذو القامة الطويلة و البشرة الخمرية المشربة بحمرة الدماء و المحددة بشاربين مفتولين ينمان عن فتوة الرجل صاجب الصوت الشجي و الآسر و الذي كان كثيراً ما يغني في الأفراح أو الليالي المقمرة.حربي كان عمل عند خاله "سعادة البك". كبرت صفية و اصبحت محط أنظار الجميع قبل أن يتوسط حربي لكي تُخطب صفية لسعادة البك. الكل صعق لجرأة حربي في التخلي عن النتيجة الطبيعية التي توقعها الجميع ألا و هي زواجه من صفية. لكن المفاجأة الكبرى كانت حين قبلت صفية عرض الزواج. 9
هذه المعادلة الجديدة غيرت كل الثوابت القديمة. أنجبت صفية طفلاً قبل أن تبدأ بوادر العداء و الإنتقام بالظهور. خلاف شديد بين حربي و ولي نعمته أدى الى حادث مؤسف أسفر عن سجن حربي قبل أن يعود ليعيش في دير مسيحي منعزل و يزوره مطاريد الجبل الذين تعرف عليهم في السجن. و تبدأ قصة الإنتقام الحقيقي .. 9
تناقضات كبيرة وجدتها في هذه الرواية ،، سببها أن الكاتب إختار طفلاً صغيراً هو إبن خال صفية الذي تربت في بيته ، لكي يروي أحداث القصة. و من الطبيعي أن لا يدرك الصبي حقيقة الأحداث و أن يعتمد على ما يسمعه و يتداوله الناس من نميمة ، لذا ظهرت الحقيقة في الرواية على صورة أطياف تحتمل أكثر من وجه : 9
هل كان حربي يحب صفية حقاً ؟ و لم تخلى عنها بل و كان الوسيط في زواجها من الثري العجوز ؟
بل هل كانت صفية تعشق حربي ؟
هل حاول حربي فعلاً قتل ابن صفية "حسّان" ؟ و لم فعل ذلك ؟
ما هو سر الوشاية التي افضت الى خلاف البك مع حربي و التي كانت سبباً في إهانة حربي أمام الجميع ؟
كما إن الكاتب إختار لبطل القصة أن يقوم بعزلته في دير مسيحي هرباً من ثأر أقاربه المسلمين. كما إن صفية حين حاولت إنتهاك حرمة الدير المسيحي لقتل حربي فإنها إختارت طريداً مسيحياً خائناً للقيام بذلك. و في ذلك إشارات لا تخفى على القارئ عن مقاصد الكاتب من إختيار الدير المسيحي كمكان الوحيد آمن يمكن لحربي أن يحتمي فيه و عدم تجرأ المسلمين على إنتهاك حرمة الدير المسيحي. 9
لكن المضحك هو إقحام نكسة يونيو و العرض الذي تقدم به زعيم المطاريد "فارس" لإرسال رجاله مدججين ب "الطبنقات" لتحرير الأرض السليبة و رفض الحكومة لهذا العرض "السخي" !! الكاتب حاول أن يمجد المطاريد بكل طريقة ممكنة أو غير ممكنة و لم يجد أسوأ من هذا الطريق للتعبير عن نبل مقاصدهم و أهدافهم الوطنية ! 9
الرواية تطرح تساؤلات أزلية عن جدوى الثأر و معني الحقد و قيمة الثروة في نص منسق تحاشى الكاتب فيه التويم الأخلاقي لسلوك الشخصيات الرئيسية في القصة ، فهناك ضحايا ومنتقمون دائماً و هناك أبرياء ومتهمون و رهبان وخونة و مؤمنون في شتى الديانات. 9

Friday, 13 March 2009

واحة الغروب لبهاء طاهر

حرصت على شراء رواية "واحة الغروب" للروائي المصري بهاء طاهر بعد لاحظت أن النسخة المعروضة هي الطبعة الرابعة للرواية و بعد أن علمت عن مقدار الإهتمام الذي أحدثته و النجاح الجماهيري و الإستحسان النقدي الكبير حيث فازت بالنسخة العربية الأولى من جائزة بوكر البريطانية الشهيرة من بين ست روايات وصلت الى المرحلة النهائية و هي : "مديح الكراهية" للسوري خالد خليفة، و"مطر حزيران" للبناني جبور الدويهي، و"واحة الغروب" للمصري بهاء طاهر، و"تغريدة البجعة" للمصري مكاوي سعيد، و"ارض اليمبوس" للاردني الياس فركوح، و"انتعل الغبار وأمشي" للبنانية مي منسى التي أختيرت من أصل 131 رواية كتبها روائيون من ثمانية عشر جنسية مختلفة. 9
و يبدو إهتمام النقاد و الجمهور بالرواية مستحقاً لثلاثة أسباب رئيسية ،، 9
المكان : فهي تجري في واحة سيوة، ذلك المكان الذي نادراً ما يطل في الأدب العربي في مصر حيث يطرح الكاتب هموم الوطن ممزوجة بتجربة العلاقة بين الشرق والغرب على المستويين الإنسانى والحضارى. 9
الزمان : تدور أحداثها في أواخر القرن التاسع عشر، وعلى وجه التحديد بعد هزيمة عرابي واحتلال الانجليز لمصر. 9
القالب : فهي مكتوبة في صورة سلاسل من الصور الناطقة بضمير الأنا والتي تنتقل من شخصية إلى أخرى ، وبصفة خاصة تروى على لسان محمود عزمي عبدالظاهر، زوجته الإيرلندية كاثرين، الشيخ المستنير صابر ، أحد شيوخ قبائل سيوه ، وأخيراً الاسكندر الأكبر الذي يعد معبده أحد العناصر الرئيسية في الرواية. و لقد تجلت حوارية النص في هذا القالب المميز ، الذي يوزّع الكلام على شخصيّتين أساسيتين ، تستكمل كلامهما شخصيات لاحقة. و هذا الحوار يتجلّى في تأمين "موضوعية الحوار" ، إذ إن كل شخصية تحدّث عن نفسها ، بمعزل عن أوهام "الآخر" عنها ولم تحتكر الحقيقة مطلقاً حيث أستطاع المؤلف أن يفلت من النمطية في تقديم الشخصيات ومن النزعة المثالية اللا واقعية وقدم لنا شخصيات ذات ابعاد انسانية حقيقية من خلال تناقضاتها وانقساماتها وصراعاتها. 9
أحداث الرواية مستلهمة من التاريخ عن حدث وقع في واحة "سيوة" عام ١٨٩٧، عن مأمور قسم الواحة واسمه "محمود عزمي" الذي نقل ، بعد أن عاش حياة لاهية بين الحانات وبنات الليل ، إلى واحة سيوة لشك السلطات فى تعاطفه مع الأفكار الثورية لجمال الدين الأفغانى وأحمد عرابى ، وتأثير ذلك عليه وعلي علاقته المتذبذبة بزوجته الإنجليزية " كاثرين " صاحبة الأصل الأيرلندي المتتبعة آثار الإسكندر الأكبر للبحث عن قبره ، قبل أن يقدم المأمور على تفجير معبد " أم عبيدة " بالواحة. 9
حشد المؤلف بين دفتي الكتاب مجموعة من الشخصيات المتنافرة في المكان (مصر وأيرلندا) والزمان (الإسكندر الأكبر) لتلتقي خيوطها في مهارة واقتدار باحثين كلهم عن ذاتهم ، الإنسان من حيث هو إنسان .. سواء كان محمود أفندي عزمي مأمور واحة سيوه أو كاثرين زوجته الأيرلندية أو الشيخ يحيى ابن سيوه أو حتى الإسكندر الأكبر ذاته ، فكلهم يعانون قلقا وجودياً عميقاً ، و جميعهم يبحثون عن ذواتهم الحقيقية ، ويكابدون ألماً لا يستحقونه بسبب ذكريات مرة تكدر صفو حياتهم وتحرمهم السلام النفسي المأمول. 9
فبطل الرواية المأمور محمود عزمي إنسان من هذا الزمان، حلم ذات مرّة بالانتصار وحصد الخيبة ، وإنسان من ماضٍ قريب، آمن بالتقدّم وانهزم قبل أن ينهزم. تضع فكرة التقدّم وهزيمة التقدّم العربي المهزوم اليوم في الماضي القريب ، يعاني من لحظات الخزي و العار التي تنتابه بين الفينة و الأخرى حين تبرأ من الثورة العرابية لينجو بفعلته و وصفه بالبغي لينجو بجلده فظل حتى آخر يوم من عمره يعاني تانيب الضمير المزمن لما أعتبرها خيانة لا تغتفر. كما إنه يعاني بعد أن تخلى عن حبه الحقيقي مع جاريتهم "نعيمة" فلم يجد المتعة و اللذة بعدها برغم علاقاته النسائية المتعددة و التي إنتهت بزواج يبدو للوهلة الأولى غير متكافئاً مع أرملة إيرلندية الأصل تدعى كاثرين. و في لحظة صدق موجعة يصف محمود نفسه بأنه دائما في منتصف شيء ما .. نصف طيب ونصف شرير ، نصف وطني ونصف خائن ، نصف شجاع ونصف جبان ، نصف مؤمن .. نصف عاشق .. هذا التفتت يعذبه لأنه كان يتمنى لو كان من أصحاب الذات الموحدة. و تنطوي شخصيته على قدر كبير من مشاعر كره الذات تتجاوز مجرد الشفقة أو الرثاء على النفس. 9
أما كاثرين زوجته الايرلندية فهي تكابد نفس الإحساس بالذنب حينما وقعت في حب صديق شقيقتها "فيونا" رغم أنها كانت تعلم أن هناك اهتماماً متبادلاً بينهما .. وحينما طلبها للزواج قالت لنفسها أن فيونا الجميلة ستجد بالتأكيد فرصاً أفضل ، لتعيش حياة زوجية تعسة مع رجل قاس وبخيل في عواطفه لكنها ظلت تعتبر شقاءها عقوبة تستحقها. و يكتب المؤلف نقلاً على لسانها "كم هي مريحة الطفولة ! كم هو مريح الجهل ! كان الأولاد يحفرون في الأرض قنوات يصبون فيها الماء و يضعون على حوافها غصوناً صغيرة خضراء ليرووا بساتين تشبه بساتين آبائهم. و لكن أهم شئ أنهم لا ينسون أيضاً بناء أسوار رملية عالية حول بساتينهم. يتعلمون الأسوار منذ الصغر. أما البنات فيلعبن على حدة بعيداً عن الأولاد. أسوار ٌ أخرى !". 9
أما الشيخ يحيى العجوز الذي كان في شبابه فارس الغربيين الذي لا ينهزم في قتال ولا يتراجع أمام عدو فقد ضاق صدره بالمجازر المتبادلة بين عشائر الواحة فيرفض أن يشارك في معارك العار و يقول عن أفكاره الحداثية وسط الجهل الذي يسيطر على الواحة "أحياناً أجد وسط الزرع زهرةً أو نبتةً جميلة لا أكون قد غرست بذرتها أو رأيت مثلها. أرعاها و أب . و حتى الإسعد عنها الأعشاب الضارة و النباتات الأخرى ، أرويها بحرصٍ أكثر من غيرها لكنها تذوي بعد حينز لا أنجح في إحيائها و لا في أن أستنبت مثلها من جديد " 9
وحتى الإسكندر الأكبر الذي زرعت أمه في نفسه أنه ابن الإله والنسر الأبيض الذي يحلق في السماء ليبسط ظله على العالم أجمع ويتلقي تربيته الروحية والفكرية على يد أرسطو.. تلك التعاليم التي غض الطرف عنها في حروبه الظافرة مع الفرس التي حرق عاصمتها بانتقام إنسان تغمره الكراهية، وفحيح الحرائق تغمره بنشوة كالخمر .. يشيد مدناً جديدة ويعفو عن القادة المهزومين ، لكنه يقتل أخلص أصدقائه كليتوس.. تلوثه نافورة الدم المنبثق من أخص أصدقائه فيبكي بجوار جثته أياما عازفا عن الطعام والشراب مرتاعاً من الوحش الذي يسكن تحت جلده، عالما أنه حينما قتله فقد قتل في نفس اللحظة إلى الأبد تعاليم أرسطو وصدى دروسه عن السعادة التي تأتي من الحكمة والتعقل. 9
يكتب المؤلف على لسان الإسكندر الأكبر "لكن ليس قبل أن أنجح فيما لم ينجح فيه قبلي إنسان و لا إله سأصنع عالماً جديداً على غير مثال. عالم ٌ تتحد فيه أجناس البشر ، و تتكلم لغة واحدة هي اليونانية أرقى اللغات ، لغة الإلياذة ، و تتزاوج الشعوب فيما بينها فلا يبقى إلا جنس واحد بعمر الأرض ....... حلمت أن أملأ الأرض بنسل جديد من سلالة الأوربيين و الآسيويات فلا تكون بينهم بعد ّلك ضغينة و لا حروب. أراد الإسكندر أن يحقق ما عجز عنه غيره من الآلهة – أن يخلق عالماً لا يكون فيه أشقر أو أسمر و لا فرق بين من يعبد زيوس أو نار الفرس أو آلهة الهند و تساءل إسكندر : هل كان لا بد من أجل هذا الحلم أن أخوض بحراً من الدماء ، دماء المهزومين و دماء جنودي ؟". 9
و في مهارة و إقتدار تلتقي تلك الخيوط كلها في هذا المكان المنزوي من العالم .. حيث يصطدم الشقاء بالشقاء لتنتهي كل الشخصيات ذات البعد الإنساني بنهايات مؤلمة ، مفاجئة و لكنها لا منطقية حيث لم يحسن المؤلف حبك نهايتها .. محمود يموت في انفجار مروع .. فيونا الطاهرة البتول تموت بعيدة عن ديارها .. كاثرين تفقد زوجها وأختها .. مليكة تموت ظلما بقسوة تقاليد بالية .. الشيخ يحيى ينعزل في تعاسة بالغة .. وحتى روح الإسكندر غير مرتاحة في مقرها الأبدي. في الوقت الذي يفلت الخونة وأصحاب الجرائم الحقيقية .. الخونة الذين سلموا عرابي وباعوا البلد للمحتل ، الضابط الشركسي وصفي الذي يحتقر المصريين أو عمدة سيوه الشيخ صابر الذي يمتلئ قلبه بالتعصب والكراهية صوب المصريين وعشيرة الغربيين من أجواد سيوه .. يجمع بينهما الحقد في مصالح مشتركة. 9