إن السجن ليس فقط الجدران الأربع وليس الجلاد أو التعذيب ، إنه بالدرجة الأولى خوف الإنسان ورعبه ، حتى قبل أن يدخل السجن ، وهذا بالضبط ما يريده الجلادون وما يجعل الإنسان سجيناً دائماً
أسست هذه الرواية لعبدالرحمن منيف ما يسمى ب "أدب السجون" ذلك النمط الأدبي الذي تميّزت به دولنا العربية لما حفلت به من مآسي و مصائب في حق مواطنيها. تدور الرواية حول رحلة السجين السياسي "رجب إسماعيل" و إغترابه في أربعة دوائر متداخلة. قوبلت تلك الرواية بإقبال شديد من القراء المتعطشين لمعرفة ما يجري خلف أسوار المعتقلات السياسية التي إنتشرت في بلاد المشرق العربي و بالمنع الذي فرضته حكومات المنطقة المنطقة عليها خوفاً من فضح ممارساتها. 9
كانت أولى تلك الدوائر "السجن" و الضغط النفسي و التعذيب البدني الذي حاق بالسجين الحالم و المؤمن بأن الكلمة ليست هي السلاح ، بل إن السلاح الحقيقي يكمن في ضمائر الناس و عقولهم. في السجن فقد رجب سنده في هذه الدنيا : أمه التى ماتت كمداً على شباب إبنها المهدور. أحس بالتعاسة عندما فقد القدرة على أن يقول تلك الأشياء التي نامت معه و قامت خلال سنين ، فأضطر في لحظة إستسلام الى الإعتراف و الإبلاغ عن زملائه في ما أعتبره بمثابة خيانة لجميع المبادئ و المثل التي ضحي من أجلها بعائلته الصغيرة المكونة من أمه الأرملة و أخته أنيسة و زوجها و أطفالها. وقع تلك الورقة الصفراء المليئة بإعترافات كاذبة فكانت بمثابة شهادة وفاته كإنسان سقط فلم يخلّف سوى الغبار و الموت و اللعنة. كانت تلك هي الخرزة الأولى التي إنفرط بعدها كل شئ. 9
و إنتقل بعد ذلك الى سجن أكبر هو "المجتمع" الذي كان يخشى التعامل مع سجين سياسي سابق بعد خروجه من السجن و إرتباط إسمه بالعار بعد إفشائه لأسرار التنظيم ليقرر في نهاية المطاف الهرب و الإغتراب في الدائرة الثالثة "المنفى" حين شعر بأن السجن ما يزال في داخله فهرب من سجّانخ خوفاً من الإنتحار. في مرسيليا و باريس ، بُهر بحضارة الغرب و وجدها ملاذاً آمناً من شرور السلطة التي لاحقته في منفاه عبر الضغط على بقايا العائلة قبل أن يقرر في إستسلام ، تكرر في الرواية ، العودة الى الدائرة الرابعة "الوطن" الذي سيطرت عليه السلطة و الذي تكون فيه كرامة الإنسان أرخص الأشياء و أقلها إعتباراً. 9
يسرد الكاتب أحداث الرواية عبر لسانين مختلفين .. فيمزج المكان و البيئة النفسية ليعطي للرواية أبعاداً أكثر شمولية. يسردها على لسان "رجب" بطل القصة و أخته "أنيسة". رجب ذلك الإنسان المعذب الذي حلم بشرعة حقوق الإنسان و الدستور ، تلك الوثيقة التي مضى على إقرارها عشرات السنين و مع ذلك فإنها أكثر الوثائق التي تعرضت الى التحدى و العبث و المخالفة ، ما جعله يتساءل في قرارة نفسه : هل تم إقرار هذه الوثيقة لكي تتفنّن السلطة بمخالفتها . أو أن تلك الوثيقة غير قابلة للتحقق و بالتالي لا بدّ من تجاوزها حكماً ؟
