لم أجد المشهد السياسي المحلي أكثر وضوحاً مما نراه في هذه الأيام. ما أثاره النائب أحمد المليفي من زوبعة تراجع عنها في آخر لحظة كشفت لنا حقيقة أمور كثيرة. منها الحكومة التي أجزم الآن بأنها فاسدة تعيش على مبدأ الولاء لا الكفاءة. تخلق الأزمات الواحدة تلو الأخرى. و هي ليست بأزمات حقيقية ، بل هي مصطنعة. فأزمة وزارة الصحة ليست رداءة الخدمات الصحية ، بل مشكلتها و آفتها هي التكييف و التيار الكهربائي في المستشفيات. أزمة وزارة التربية ليست في المناهج و مستوى المعلمين بل في توفر الكراسي و نظافة الحمامات. أزمة الرياضة ليست في المنشآت الرياضية بل في قانون منع الجمع في المناصب الرياضية. أزمة الطاقة لدينا ليست في سعة محطات الكهرباء بل في مشروع ترشيد. أزمة التعليم العالي لدينا ليست في إستقلالية الجامعة و دعم البحث العلمي فيها بل في الخلاف ما بين نورية و رشا. 9
هكذا إنحدرت الدولة ، وهكذا إنحدرت مستوى إهتماماتنا و مشاكلنا. حين نركز على التافه من الأمور ، حين نعتمد ولاء الفرد قبل كفاءته. هذا ما أوصل ناصر المحمد الى كرسيه. ولائه دفعه الى تغيير رأيه في الدوائر الخمس. ولائه يمنعه من القضاء على أسباب أزمة الرياضة. ولائه دفعه للتخلي عن دوره كرئيس للسلطة التنفيذية إبان أزمات التأبين و الإنتخابات الفرعية. ولائه سمح لأقطاب الفساد في التمدد حتى حين خرجوا من الحكومة. و ما ملف العلاج في الخارج في إنتخابات 2006 إلا أكبر دليل. ولاءه هو ما يبقيه على سدة الكرسي لا كفاءته. 9
هذا الحب المجنون للكرسي دفعه للتخلي عن إبن عمه أحمد العبدلله في إستجواب لا يتحمل وزره (نظرياً). هو أيضاً مادفعه للطلب من علي الجراح بالصمت وعدم فضح صاحب شقة رأس الأرض. هو ما دفعه للشقلبة فيما ما يخص قضية المصفاة الرابعة. هو ما جعله يبحث عن كبش فداء في كل قضية و إسألوا عيسى الخليفة. هو ما دفعه لسحب الجنسية عن خمس عوائل بلا سبب واضح. و هذا الحب هو ما دفعه لشراء الولاءات أيضاً ، و ما المليون و نصف دينار التي دفعت كثمن للبخور المستورد من محل النائب الحالي السيد "عسكر العنزي" في وقت الإنتخابات الماضية إلا أكبر دليل و شاهد على ما نقول.
99
نعم أصبحت الجنسية حق و منحة من صاحب المعالي. يمنحها وقت ما يشاء و يسحبها وقت ما يشاء. الجنسية حق سيادي. نعم نقر بذلك. لكن هذا الحق السيادي ليس للدولة للأسف. بل هو لصاحب المعالي يعطيها في غمضة عين و يحجبها في رفة جفن. من هو وراء منح من لا يستحق شرف الجنسية الكويتية؟ ألا يستحق أن يعاقب ؟ و لماذا السحب الآن في هذا الوقت ؟ و ما مصير تلك العوائل التي أصبحت لها مراكز قانونية و حقوق كالتوظيف و التعليم و الطبابة و الحصول على القروض ؟ ما ذنب هذه العوائل ؟ هل إسترخصنا كل شئ في هذه الدولة؟ حتى مشاعر البسطاء و أحلامهم في معيشة كريمة ؟
أما آن لكم أن تخرجوا من أبراجكم العاجية و أن تتخلوا عن المباخر و سيارات البنتلي المصفحة و أن تتلمسوا هموم البسطاء للحظة؟ هل أحسستم يوماً بمعاناة المواطنة و هي تنتظر الساعات الطوال في إحدى إدارات الشئون ؟ هل أحسستم بالحرقة على شرف أخواتنا الموظفات و هن يتعرضن للتحرش الجنسي في الوزارات ؟ هل أحسستم بمعاناة الرجل الطاعن في السن و هو يتعرض للإهانة في أحد المخافر؟ هل إكتويتم بنار الغلاء و أنتم من تبلغ نثرياتكم ملايين الدنانير؟ هل شاهدتم الإرتفاع في أسعار حليب الأطفال و انتم ممن يستورد الشكولاته الفاخرة السويسرية على متن الطائرات ؟ هل عرفتم بمعاناة ذات الأب المفجوع في إبنته التي فشلت عملية القلب لها و يحاول إبتعاثها الى الخارج دون طال رغم موافقة اللجان لأن الرئيس لم يعين وكيلاً للصحة الى الآن ؟
ما يحدث اليوم ليس مرده الضعف أبداً. فلم يحصل رئيس للحكومة على دعم 45 نائباً أبداً. و لم يصرح أمير للكويت بدعمه لرئيس حكومته مثلما صرح سمو الأمير الحالي. سمعنا عن الخطوط الحمراء و الصفراء و البنفسجية. رأينا القوى السياسية تتقاتل من أجل الدفاع عن رئيس الحكومة. شاهدنا نواب "الموائمة السياسية" وهم يتقاتلون للتنظير عن التوقيت و مغزى التوقيت. رأينا خمسة عشر صحيفة تتفوق على الإعلام الحكومي في الدفاع عن رئيس الحكومة. 9
إنه ليس الضعف. بل هو تغليب مبدأ "الولاء" على "الكفاءة" من اعلى تراتيبة الحكومة الى اصغر مستخدم فيها. إنه زمن إنعدام المقاييس. إنه زمن الإنحدار الذي للأسف طال القيم. أصبح الموظف مرتشياً. المدير مرتزقاً. الوزير أمعة. والرئيس خائفاً على الكرسي. 9
الظن بأن الأزمة قد إنتهت هو ظن خاطئ. الخطوط الحمراء الوهمية قد مسحت. والجميع إلتمس هشاشة السلطة و بات يعرف أنه لا حاجز امام المسائلة التي يحاول "الجميع" إعاقتها و التكسب من وراء ما يحصل من فوضى ومساومات رخيصة للبقاء على الكرسي. 9
9
اليوم إنكشف عري الحكومة و أقطابها امام الجميع فما تشهده "الدولة" من إنهيار و هيبة السلطة من تراجع لا يمكن لفداوية العهد اليديد و لا حتى "بينوكيو" الديوان السيد نايف الركيبي الدفاع عنه. نحن فقط ننتظر "النائب المنتظر" ليحمل لواء المحاسبة و هو حتماً ليس أحمد المليفي ،، النائب الذي لم يجرؤ ! 9
الحديث لم ينتهي ، و لدي المزيد مما يختلج في صدري نحو نوائب أمتنا ، القوى السياسية ، وسائل الإعلام ، أحمد المليفي و الشعب المغلوب على أمره ! 9
للحديث بقية ،، 9