نشر النائب وليد الطبطبائي مجموعة من المقالات نقل فيها أهم ما دار في لجنة الظواهر السلبية التي أنشئت ف الفصل التشريعي السابق. و قد أثار نشر النائب المحترم ضجة كبيرة لأنها خالفت نص المادة 54 من اللائحة الداخلية للمجلس و التي تنص على إن جلسات اللجان سرية. و برغم هذا الحظر القانوني فإنني مع تعديل هذه اللوائح بما يكفل و يحقق مستويات عالية من الشفافية من شأنها رفع مستوى وعي الشعب و فضح العبث النيابي الذي يهدر الطاقات بلا طائل في مزايدات حزبية رخيصة. 9
مقالات السيد وليد الطبطبائي هي ما سمح لنا بالتعرف على أوجه العبث النيابي في تلك اللجنة. فإن كان النواب الأفاضل جادون في التصدي لهذه الظواهر فكان من السهل جداً على نفس النواب ، تقديم مقترح بتكليف جهة ما "حكومية أو غير حكومية" و تمويل هذه الجهة لقيام بدراسة علمية محكمة لتعريف الظاهرة السلبية و وضع مؤشرات رصد عامة لها و دراسة الأسباب الجذرية وراء بروز تلك الظواهر و أفضل السبل لمعالجتها. و من ثم يمكن للجنة مناقشة هذه الدراسة و إعتماد توصياتها. بذلك نكون قد حققنا الحياد و كرسنا المنهجية العلمية في الدراسة من قبل المختصين و وجهنا طاقات النواب لعملهم الأساسي و هو التشريع و الرقابة بدلاً من الإنهماك في دراسات علمية ليست من صميم إختصاصاتهم أو تخصصاتهم. و فيما يلي أهم ملاحظاتي بعد الإطلاع على سلسة المقالات التي أثبتت سذاجة النائب وليد الطبطبائي الذي أراد لهذه المقالات كشف الحقيقة و هو ما تم فعلاً ، لكن بخلاف ما كان يود السيد الطبطبائي : 9
أولاً
قدم الإقتراح بإنشاء لجنة "مؤقتة" من قبل 43 نائب. و قد تم إقرار المقترح بتاريخ 6 نوفمبر 2006 ، و حتى حل المجلس في مارس 2008 ، كان قد مر 16 شهراً على إنشاء هذه اللجنة المؤقتة لم تنتهي فيها من أعمالها و لم تقدم فيها أي مقترح أو توصية بتعديل تشريعي أو مطالبة مالية أو ما شابه و لا يلوح على أفق اللجنة الجديدة "الشبه دائمة" أي نهاية للنفق المظلم و الذي يحجب مناقشة القضايا الفعلية و التي تهم عموم الشعب الكويتي. 9
ثانياً
اللجنة لم تقترب من تحقيق أي من أهدافها و يغلب على عملها الطابع الشخصي. فالظواهر السلبية تختلف بإختلاف شخوص أعضاء اللجنة فألعاب الفيديو ظاهرة سلبية أيضاً ، لكن إنتشار اللواط و الشذوذ الجنسي في بعض المناطق لا يشكل ظاهرة تستحق الدراسة لدى أعضاء اللجنة. و لم تحدد اللجنة حتى اليوم ملامح القصور في التشريعات الحالية و لم تقف على أسباب نشوء أو ظهور هذه الظواهر و إنتشارها و لم تحدد لا حجم الظواهر و لا أنواعها و لم تقدم التوصيات و المقترحات حولها . فكل حوارات اللجنة فضفاضة و لا تعدو عن فشة خلئ من قبل السيد الطبطائي و زملائه. 9
ثالثاً
وضعت اللجنة ثلاثة محاور لعملها. كان المحور الأول حول مقابلة الجهات الحكومية و غير الحكومية لمناقشة هذه الظواهر. و قد لاحظنا أن اللجنة لم تجهد نفسها لا بوضع تعريف لسلبية تلك المظاهر ، و لا وضع حد فاصل بين ما يعتبر حالات فردية شاذة و مظاهر منتشرة في النسيج الإجتماعي. لذا أتت تلك النقاشات مع تلك الجهات عامة و فضفاضة تحكمها أهواء و رغبات أعضاء اللجنة فتنوعت بين مناقشة مقاهي الشيشة التي يمقتها السيد الطبطبائي و صالات البلياردو و التسلية و شملت حتى الباعة المتجولين. 9
رابعاً
هذا الطرح الضعيف الذي لا تحكمه "ضوابط" و "تعريفات" محكمة كان المدخل الذي أراده أعضاء اللجنة لخلط الأوراق و فرض رغباتهم الخاصة و هو ما أوجد إشكالية تداخل عمل اللجنة مع باقي لجان المجلس. فإن لم تناقش لجنة الداخلية و الدفاع قضية المخدرات فماذا ستناقش؟ و إن لم تناقش لجنة التربية و التعليم قضايا المناهج و السلوكيات فماذا سيكون عملها؟ و إن لم تتابع لجنة الشئون الصحية و الإجتماعية عمل الهيئة العامة للشباب و الرياضة و مراكز الشباب فمن سيتابعها إذن؟
خامساً
و اللجنة غاب عن عملها الأولويات بدليل مناقشة أمور لا تشكل "ظواهر" بمعنى الإنتشار في المجتمع و خطورة تأثيرها على فئات واسعة كما إتضح أخيراً حول ظاهرتي التشبه بالجنس الآخر و عبدة الشيطان التي أكد المختصون بأنها حالات نادرة و شاذة و لا تشكل بأي حال من الأحوال ظاهرة تستلزم التدخل النيابي و التي لا توازي في خظورتها ظاهرة التعصب القبلي و الطائفي و الفئوي أو ظاهرة غياب هيبة القانون أو ظاهرة الإعتداء على رجال الأمن و المدرسين و الأطباء !! 9
سادساً
المحور الثاني كان هو الأشد إيلاماً و كان حول مقابلة المختصين من الأكاديمين و الممارسين لمناقشة الظواهر الدخيلة. و لقد أضحكتني و أبكتني في الوقت نفسه صورة إجتماع اللجنة الأخير و الذي نشرت فيه صورة المختصين الأكاديمين و فيها صورة الشيخة نعيمة الأحمد الجابر التي تملك شهادة الرابع إبتدائي و حولها عدد من الوصيفات لمناقشة الظواهر التربية بشكل علمي بحت !! لكن لنرى أسماء هؤلاء المختصين الذين نشر أسمائهم السيد وليد الطبطبائي : محمد الثويني ، حمود القشعان ، عبد الوهاب الفهيد .. و هي أسماء محسوبة على تيار معين يريد تغليب وجهة نظره فيما يخص تلك المزايدة النيابية على الأخلاق. إذاً الدعوات كانت مزاجية و تصب في إتجاه واحد فقط ، و حتي حين أشار السيد القشعان حول الى مفهوم "الجاهلية الجديدة" التي تدعو الى التعصب القبلي فإن أحداً لم يأخذ هذا الأمر على محمل الجد و لم تحظى تلك المسألة بالتوسع في المناقشة و لم نر ربع تصريح نيابي في هذا الإتجاه و حين أشار السيد القشعان الى "إختفاء هيبة القانون" كظاهرة سلبية شجعتها الممارسات النيابية التي كان أحد شواهدها رفض المرسوم المقدم من الحكومة بتغليظ عقوبة الإعتداء على رجال الأمن فإن التجاهل التام كان من نصيب تلك الملاحظة !! يا الله من يدرس الظواهر السلبية هو نفسه من يعمقها و يجذرها !! 9
سابعاً
المحور الثالث كان تقليدياً و يشكل أحد مظاهر الهدر التي إنتقدها ديوان المحاسبة و المعني ببنود الضيافة و الصرف على المؤتمرات. إذ دعا المحور الثالث الى تنظيم مؤتمر (!!) و الذي لم يعقد. طبعاً المؤتمر كان سيحول الىى ما يشبه مؤتمر الإعجاز القرآني سيئ الذكر و الذي كان أحد أهم محاور إستجواب الوزير عبدالله المعتوق و كان سيكون بمثابة ماسورة ماء يرضع منها الحزبيون. 9
ثامناً
هذا لم يكن المظهر الوحيد من التسيب المالي فلقد كانت مناقشات اللجنة تعج بالمطالب المالية التي لا والي لها و ل حسيب ، فلقد إستغل الفرصة عوير و زوير من أجل الدعوة الى المبادرات الحميدة و اللجان التي سيكونون هم بالطبع مسئولين عنها مالياً. فهذا يدعو الى تمويل حملته التي ستكلف 100 مليون دينار كويتي من أجل تخفيف المخالفات المالية و الحوادث و آخر يريد تمويل لإدارته خائبة الرجا من أجل بناء 9 مراكز شباب و مسئول يطبل و يزمر للجنته الخيرية و يطالب بدعمها من الجهات الرسمية و إعتمادها و آخر يريد حل مشكلة الظواهر السلبية بإقرار كادر للمفتشين و الأخصائيين الإجتماعيين !! 9
تاسعاً
لكن أهم المناقشات التي جرت في جلسات اللجنة ، هي تلك التي ناقشت ظاهرة إنتشار المخدرات. المناقشة تلك لم تتناول الفئة العمرية المستهدفة ، و لا وضعها الإجتماعي و المالي ، و لا التفكك الأسري ، و لا مصادر التهريب ، و العقوبات ، و فساد سلطات وزارة الداخلية ، و لا غياب الرقابة المحكمة على عمليات غسل الأموال ، و لم تتناول دور الدجاج البياض الإسلامي (!!) من باكستان و إيران و أفغانستان و كفلائهم الذين ما زالوا بمنأى عن أي عقوبة بسبب إغراقهم المجتمع الكويتي بهكذا نماذج بشرية. بل خلصت المناقشة الى إن الشيشة و مقاهي الإنترنت و المخيمات و الجواخير هي من أسباب إنتشار المخدرات ! أكاد أجزم بأن هؤلاء الأكاديميون و المختصون لم يجروا في حياتهم عملية تحقيق واحدة مبنية على الإسلوب العلمي الذي يعرف ب Root Cause Analysi. 9
لو أنيط أمر اللجنة الى جهة علمية متخصصة لعلمنا بأن الباعة المتجولين الذين ناقشتهم اللجنة هو أحد مظاهر العمالة السائبة التي سببتها تجاوزات النواب أنفسهم كما رشح مؤخراً. و لعلمنا إن تهذيب النفوس يبدأ من إصلاح مناهج التعليم التي لطالما رفض نواب الإسلام السياسي المساس بها ، و أن ما يدفع شبابنا نحو المخدرات هو سطوة تجارها المتغلغلين في صفوف وزارة الداخلية التي لا تملك جهاز رقابة داخلي كما هو الحال في أجهزة الشرطة في البلاد المتحضرة ، كما إن التفكك الأسري هو أحد أسباب تفاقم تلك المشكلة و التي لن تحل من خلال مقترح زيادة علاوة الأطفال أو عدم إطلاق عدد الأطفال المشمولين بتلك العلاوة. كما إن الفراغ الشبابي قاتل و يجب الإلتفاف لتلك الفئة العمرية المظلومة المكبوتة المقهورة من قبل أعداء الفرح البرئ و الذين يصرون على على الرقابة السابقة و اللاحقة و التدخل فيما لا يعنيهم خصوصاً الأخ الكبيربعد أن قرأنا في محاضر اللجنة مصطلح ال Big Brother أي الأخ الكبير و هو مصطلح تهكمي أطلقه الغرب على من يريد أن يراقب كل صغير و كبيرة في حياة الآخرين كما جرى العرف في برامج تلفزيون الواقع و يريد جهابذتنا الأعزاء تطبيقه على شبابنا. 9
دور مجلس الأمة هو التشريع و الرقابة المالية و الإدارية على السلطة التنفيذية. و الرقابة الأخلاقية على الشعب ليست مناطة بهذا الجهاز التشريعي. و البحوث و الدراسات التربوية تستطيع أن تقوم بها الجهات العلمية المتخصصة. و إلا لأمضى مجلس الأمة جل وقته في دراسة مسار جسر الصبية و فض مظارف عطاءات المصفاة الرابعة و قام بتعديل لوائح الإطفاء و السلامة في العقار الإستثماري !! مثل هذه القضايا التخصصية يجب أن يعهد بها إلى أهل الإختصاص. 9
نهايةً ، نشكر السيد الطبطبائي ، رغم مخالفته الصريحة لنصوص اللائحة للمجلس ، على إتاحة هذه الفرصة الذهبية على التعرف على أحد مظاهر العبث النيابي الذي يدغدغ العواطف و يزايد على الأخلاق و يوجه العمل الوطني نحو المصالح الحزبية و الأهواء الخاصة بعيداً عن الصالح العام الذي كان سيتحقق لو كلفت جهة مختصة بتحقيق الأهداف النبيلة التي كانت وراء تشكيل هذه اللجنة. 9
