Showing posts with label 1984. Show all posts
Showing posts with label 1984. Show all posts

Friday, 12 June 2009

1984

يجب عليك أن أن تكف عن التوّهم يأن الأجيال القادمة ستبرئ ساحتك و تجعل منك شهيداً إنهم لم يسمعوا عنك أبداً لأنك ستزال تماماً من سجل التاريخ, سنحيلك إلى غاز ثم نطلقك في الهواء, سنجعلك نسياً منسياً و لن يبقى منك شيء, لا اسماً في سجل و لا أثراً في ذاكرة حيه , ستمحى كل علاقة لك بالماضي كما بالمستقبل و ستصبح و كأنك لم تكن" 9

تعتبر رواية 1984 للكاتب الإنجليزي جورج أورويل واحدة من أفضل روايات ما بعد الحرب العالمية الثانية ، لا فقط لتأثيرها الواسع على اللغة و مفرداتها و ثقافة ما بعد الحرب و لكن أيضاً لفكرها السياسي الحاذق و العمق الذي حلل به أورويل الفكر الإستبدادي و نظرياته و شرحه لما تصمه الأنظمة العلمانية بال "الداروينية الاستبدادية" و هي أحد صور العلمانية الشاملة التي سادت أوربا في فترة النصف الأول من القرن العشرين في ألمانيا و إيطاليا و الإتحاد السوفيتي. 9
تدور أحداث الرواية التي كتبت في عام 1949 في لندن عاصمة القطاع رقم في جمهورية "أوقيانيا" أحد ثلاث قوى عظمى تتصارع فيما بينها في العالم الجديد مع جمهوريتي "آسيا الأوربية" و "آسيا الشرقية". أوقيانيا هي عبارة عن الأمريكيتين واستراليا والجزر البريطانية. أما آسيا الأوربية وأراضيها هي روسيا والباقي من أوروبا أما آسيا الأوربية فتتكون من الصين واليابان وكوريا وشمال الهند. أما بالنسبة للشرق الأوسط, وجنوب الهند, وأفريقيا, فهي عبارة عن ساحات حرب ومناطق متنازع عليها من قبل هذه الدول الثلاث. 9
وتدور أحداث الرواية في عام 1984 (المستقبل) بعد الحرب النووية التي حدثت و ما تبعها من إضطرابات و حروب اهلية حتى إنتهت الى الثورة و سيادة حزب الإشتراكية الإنجليزية "الأنجسوك" بعد إنهيار القوى المعاصرة و تغير ملامح العالم لتتحول لثلاثة قوى تتصارع فيما بينها. يقود "الأخ الكبير" ، وهي شخصية دكتاتوري لا يعرف أحد إن كان حقيقة أم مجرد خيال لكن الناس يرون صورها في ملصقات كبيرة وضعت على الجدران والشوارع وفي المنازل، هذه الملصقات كلها تقول: "الأخ الكبير يراقبك!" ، يقود الحزب و الدولة عبر ممارسة سياسة قمعية و دكتاتورية لأبعد فأفكار الأخ الأكبر في هذه الرواية تختلف تماماً عن الأفكار الاستبدادية التقليدية, فهو يتعامل مع الشعارات والهتافات والتسميات بطريقة مختلفة, ويتعامل مع الثوار والمنشقين بطريقة مختلفة, ويتعامل مع طبقات المجتمع والحروب والثروات والتقنية بطريقة مختلفة, بل أنه يفهم فكرة "السلطة" وغايتها وتطبيقها بشكل مختلف يتعامل الأخ الأكبر مع هذه الأفكار ويفهمها بطريقة جديدة متطورة تضمن له أن يكون نظامه السياسي غير قابل للهزيمة. 9
الشخصية الرئيسية في الرواية هي "ونستون سميث" الموظف ذي ال39 عاماً الذي يعمل موظفاً في "وزارة الحقيقة" (وزارة الإعلام) و تنحصر مهامه في تغيير و تزوير البيانات والمعلومات الموثقة على مدار الساعة لتتماشى مع إستراتيجية وأهداف الحزب والحكومة بقيادة عن طريق حذف و تعديل كل تلك الوعود المحرجة من الأرشيفات الصحفية، واستبدالها بتنبؤات مذهلة. يحتفظ ويستون بدفتر كان قد اشتراه بشكل غير شرعي ليبدأ في تدوين أفكاره وهو مدرك أنه ابتداء من هذه اللحظة قد صار في عداد الموتى فمجرد عملية التفكير يعتبرها الحزب جريمة تستحق الموت ويسميها "جريمة الفكر". يكتب ونستون في دفتره أنه يكره الأخ الأكبر ثم يبدأ التفكير بـ "أوبراين" وهو أحد أعضاء الحزب الداخلي الذي شعر ونستون أن ولاءه للحزب ليس تاماً فقد شك ونستون أن أوبراين ينتمي لأخوية شديدة السرية والغموض تعمل ضد الحزب ثم يفكر بعد ذلك في "غولدشتاين" عدو الحزب الأول والذي كان أحد أهم أعضائة ولكنه تأمر عليه وحكم عليه بالموت ولكنه استطاع الهرب وأصبح يشكل قلقاً كبيراً للحزب. 9
حينما يميل سمث إلى زميلته في العمل "جوليا" التي ترتدي حزاماً قرمزياً الذي يرمز إلى عضويتها في الاتحاد ضد الجنس الآخر ليعطيهم شعار العزوبية و كراهية الجنس حيث تحاول الدولة إلغاء كافة الروابط و العلاقات الإنسانية كالأسرة و الطفولة و الجنس و رعاية الوالدين و يصبح التعبير عن أي مشاعر كالضحك و البكاء و العبوس و حب الاستطلاع و الفضول و القراءة و الكتابة و الحب و الصداقة جرائم تعاقب عليها في سياسة تسعى لخلق كائنات بشرية مجوّفه من أي مكوّن بشري و تحويل القيم البشرية إلى أشياء هامشية ومن ثم سطوة الأحزاب السلطوية والشمولية على الناس والشعوب ليكونوا مجرد أرقام هامشية في الحياة بلا مشاعر ولا عواطف وليس لديهم طموحات أو آمال، حيث يعملون كالآلات وجدت لتتكاثر و تحمي مصالح الحزب فقط لا غير فلا حب و لا عاطفة و لا إنتماء و لا ولاء إلا للحزب الذي يقوده الأخ الكبير و تحقيق شعاره الخالد : "الحرب هي السلام, الحرية هي العبودية, الجهل هو القوة". و تخصص كل يوم دقيقتين تعرف ب "دقائق الكراهية" و تعرض في هذه الدقائق صورة أعداء الدولة و الحزب ، سواء من خارجها كالدول المنافسة أو من المنشقين و المتمردين على الحزب كغولدشتاين و هو أحد زعماء الحزب المنشقين و الذي يود وينستون سميث أن ينضم الى ركب الأخوية التي يعتقد بأنها ستطيح بهذا النظام الديكتاتوري. 9
و ينقسم الشعب في أوقيانيا الى ثلاثة طبقات أوضعها و أكثرها شيوعاً هي طيقة العمال "البروليتاريا" و التي لا تنتمي الى الحزب. أما أعضاء الحزب فينقسمون الى فريقين : أعضاء الحزب الداخلي و هي الطبقة التي لا تتجاوز 2% من إجمالي الشعب و تحوز على جميع المزايا و طيقة أعضاء الحزب الخارجيين التي تيبلغ نسبتها 13% و هي الطبقة الوسطى في المجتمع التي تشكل عماده و التي يتم مراقبتها من أجل السيطرة عليها و منع حدوث إنقلاب بواسطتها. تتم المراقبة عن طريق جهاز يعرف ب "التيليسكرين" وهو شاشة تقوم بوظيفتين ، الأولى هي عرض برامج وأغاني وأخبار الحزب الحاكم والوظيفة الثانية هي مراقبة الناس فلا يمكن إغلاق الجهاز أو حتى كتم صوته فهو يعمل بشكل دائم والحزب الحاكم يجند الأطفال ليعملوا جواسيس ضد آبائهم لذلك يخشى الآباء من أطفالهم أكثر من أي شيء آخر. والحزب الحاكم يعتبر أي فكرة أو خاطرة تخرج من الإنسان بدون قصد هي جريمة تعرف بجريمة الفكر يعاقب عليها قانون الحزب فالإنسان يجب أن يفكر بأفكار الحزب ويؤمن بالحزب ويحب الأخ الأكبر. قد يتحدث الإنسان في نومه ويسمعه أحد أطفاله فيبلغ عنه "شرطة الفكر" التي تعذب المرء وتقتل كل روح فيه وتقتل كل فكرة فيه حتى يؤمن بأن 2 + 2 = 5 ، وهنا يذهب هذا الإنسان ولا يعود و تحرق كل الوثائق التي تتعلق به وكل خبر كتب عنه وكل شيء ولا يعود له أي وجود إلا في ذاكرة الآخرين الذين إن تحدثوا عنه بشيء سيلقون نفس المصير. 9
كما يزرع الحزب الميكروفونات في كل مكان لرصد كل همسة من الشعب بل ويتجاوز الحزب ذلك ويعمد لتحطيم العلاقات الأسرية لإفناء كل ولاء ليس موجه له ويعمد أيضا لإذلال العملية الجنسية بجعلها مجرد وسيلة لخدمته وبتجريدها من أي رغبة أو وله أو عاطفة لوأد أي احتمال لنشوء ولاء لغير الأخ الأكبر. ثم يتفوق الحزب في استبداده على نفسه ليصل لمرحلة الاستبداد العقلي فيسيطر على اللغة ويدمر ويعيد تركيب كلماتها بل ويصنع لغة جديدة ويمنع الاتصال بالحضارات الأخرى ويحرّف التاريخ ويلفّق الماضي ويقلب الحقائق حتى تتوه العقول فلا تجد إلا الحزب كحقيقة ثابتة تستطيع أن تؤمن بها. 9
ما يلبث أن يسقط وينستون سميث و زميلته جوليا أن يسقطا في قبضة شرطة الفكر بقيادة أوبراين و الذي يشرح له شعار الحزب و أفكاره و يعذبه تعذيباً مبرحاً وبأشكال جديدة وعنيفة من السحل تستخدم فيها كل الوسائل الإلكترونية الحديثة و تجرى له عملية غسيل مخ ومسح وجدان حتى يعود فردا آخر لا يفعل شيئا سوى ترديد شعارات الحزب والإيمان العميق بالأخ الأكبر وبالسلطة المطلقة وبالانتصارات الوهمية التي تحرزها دولة أوقيانيا وأن عليه أن يؤمن بأن (2+2 = 5) وبأن الحرية هي العبودية و الله هو السلطة و الحرب هي السلام و الجهل هو القوة، و أن من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي و أن عليه ألا يصدق عينيه ولا أذنيه إذا كان الحزب يأمر بعدم التصديق و عليه أن يؤمن بأهداف الحزب التي منها الغزو الشامل كله وإلغاء أي احتمال بوجود تفكير مستقل مرة واحدة وإلى الأبد. ومن أجل تحقيق هذين الهدفين ينبغي العمل على كيفية اكتشاف ما يدور بفكر الإنسان الآخر رغما عن إرادته، وكيفية القضاء على عدة مئات من الملايين من البشر في ثوان قليلة دون أي تحذير مسبق. 9
رواية رائعة جداً وكان لها كبير الأثر على اللغة الإنجليزية؛ فقد شاع استخدام العديد من المفردات التي ابتكرت في هذه الرواية مثل: (الأخ الأكبر - Big Brother) ، (الغرفة 101 - Room 101) ، (شرطة الفكر - Thought police) ، ( التفكير المزدوج - Doublethink) ، ( اللغة الجديدة – Newspeak) ، بل لقد درج استخدم مصطلح (أورويلي – Orwellian) كطريقة لوصف الحالات, أو المشاهد, أو الأفكار, أو طرق التحدث التي تشبه ما جاء في أعمال أورويل عموماً وهذه الرواية خصوصاً وخطت نمطاً جديداً يعرف ب "الأوريلية" أو "الأورويليازم". 9
هذا وقد إختارت مجلة التايم الرواية كواحدة من أفضل مائة رواية مكتوبة بالإنجليزية منذ عام 1923 وحتى الآن. وقد تم ترجمتها إلى خمسة و ستون لغة فقط لا غير. 9
الرواية مأساوية و سوداوية و لكنها ذكية و ملية بالحوارات المدروسة و المركبة بطريقة فلسفية رائعة تمنحك الأفق و المعرفة لفهم منطلقات و دوافع الأنظمة التولتارية لا سيما في محيطنا العربي كما حصل في العراق وكان لها إسقاطات لا يمكن إنكارها على الإتحاد السوفيتي فالأخ الكبير هو جوزيف ستالين و غولدشتاين هو ليون تروتسكي. 9