Showing posts with label مدن الملح. Show all posts
Showing posts with label مدن الملح. Show all posts

Wednesday, 31 March 2010

مدن الملح لعبدالرحمن منيف : بادية الظلمات


تختلف طبيعة الشعوب و قد يكون من السهل إقناعها بأمر من الأمور و لكن من العسير إبقاءها على هذا الإقتناع و لهذا أصبح من الضروري فرض الأمور عليها
 

الشعوب البدائية جديرة بالدراسة لأنها لا تعكس الصفات الأولى و ربما الأساسية في الإنسان و إنما تحدد نمطاً من العلاقات و الصيغ أصبحنا نجهلها لأننا إبتعدنا عنها كثيراً. و من هنا ضرورة أن ينخرط الإنسان في هذا المجتمع أكثر فأكثر من أجل أن يصل الى أعماقه و أن يفهمه بدقة لكي يتوقع و يستنتج ما يمكن أن يتمخض عنه. و هذا ما كان عبدالرحمن منيف عمله فلقد شخص المجتمع السعودي و أخذ قطاعاً عرضياً منه في مراحل متعددة من مراحل تكوين الدولة استغرقت أجزاءاً خمسة من هذه الملحة الروائية التي تستحق التحويل لفيلم سينمائي أو حتى مسلسل تلفزيوني. 9

يتناول الكاتب في الجزء الخامس المعنونة ب "بادية الظلمات" مرحلة إنتقال مركز القوة التقليدي الى مجموعة من الأمراء تحكمها علاقات النسب و الإنتماءات القبلية للأمهات أكثر مما جمعتها علاقات الأخوة و الإنتماء الى نسل السلطان القوي الذكي الذي وحد السلطنة لكن حكمه إستبدل هذه المقومات بعيوب الدولة التي جاءت بدلاً عن السلطنة. 9

و علاقات الفراش التي حددت مستقبل الدولة ،، لم يفهمها الإنجليز جيداً ، فهم يرون البدو أمامهم ، يرون أشكالهم ، لكن لا يعرفون أعماقهم و لا يعرفون كيف يفكرون و ماذا يملأ عقولهم و صدورهم و لذلك فإن الغريب عن تلك البيئة يتوهم ، يرى فقط ما يريد فقط ، أما الأشياء الأخرى فلا يراها بالضرورة. وصمت البدو في تلك الصحراء القاحلة التي لم يفهمها الإنجليز جيداً هو ما قتلهم فأغرب شئ في تلك البلاد أن الناس لا يتكلمون أنهم كالسلاحف يغرقون في قواقعهم و يصمتون و وحدها عيونهم التي تتكلم و حين تتكلم العيون فإنها تقول أشياء خطيرة أقرب للحرائق. 9

و هكذا إنتقلت مقاليد الولاء من الإمبراطورية التي غابت عنها الشمس الى الإمبراطورية الوليدة. ترك الإنجليز جميع المفاتيح في يد السلطان الذي ترعرع على أيدهم و لو تركتوا بعض المفاتيح عنده لأضطر السلطان الجديد أو غيره يعود اليّ لكن حين سلّمت له المفاتيح ، فتح الطير و أنطلق الى حيث يريد ، الى حيث يجد أن ذلك أكثر ملاءمة له. و كان السلطان الوالد براغماتياً حين قال : "الشجاعة للألمان و الدهاء للانكريز و اللي يحبون الدنيا و الكيف الفرنسيين و الطرب للأتراك و الصبر لأهل الصين و الهند و اللي يرمون قروشهم بالقاع و ما يخافون الأميركان .. و حنا بتوفيق من الله .. نصلي ورا علي و ناكل مع معاوية. بالسياسة مع الانكريز و بالمصلحة و الشغل مع الأميركان" !! 9

هكذا تُحكم دولنا و ممالكنا .. ب "قوة السروال" فعند عتبات غرفة النوم يترك الرجال ألقابهم و سيوفهم و نياشينهم. أما حين ينزعون سراويلهم فأنهم يتخلون عن قسوتهم و تحفظهم و خوفهم و يصبحون أكثر سعادة للفهم و الإستجابة شرط أن نقول لهم الشئ المناسب و على دفعات تتناسب مع اهتزازات السرير. و أخطر شئ في هذه الحياة بعد الله و المال هو السروال : إذا كانت دقته قاسية أتعب ، و إذا أرتخت دكته أشقى و أتعب. 9

حكّامنا يشبهون السيول : يأتون بقوة لكن يذهبون بسرعة. البحر ينتظر ليبتلع كل السيول و البحر يبقى و يبقى الوطن و تبقى الناس. و يظنون أنهم قد عملوا المستحيل لأبناء شعبهم فبعدما كانوا يرعون الإبل و الغنم و كانوا يسافرون من أرض لأخرى حتى يلقوا الخبز و كانوا يشتغلون هنا و هناك مثل الصناع و الخدم حاول السلطان إراحتهم بأن وصلهم كل شئ و ألزمهم الرّاحة و موارد الرزق بلا إنتاجية و لا نظير لهذا الشئ سوى الصمت. لكن حين طال الحديث و وصل الى "الدستور" فإن الأمر قد تغير ، السلطان لا يحكم حسب عقله و ضميره و الذي يراه بصالح الناس. لكن يلزمه أن يقوم بما يُطلب منه ، و إذا خالف يعزلونه ! 9

في نهاية الرواية يحكي لنا الكاتب الخلافات العائلية التي أفضت الى إغتيال السلطان بواسطة أحد أقربائه و لا أدري لماذا لا أجد المقاربة مع حادثة إغتيال الملك فيصل على يد أحد أبناء إخوانه غير مستغربة إطلاقاً ! 9

 
Password : liilas.com

Sunday, 28 February 2010

مدن الملح لعبدالرحمن منيف : المُنْبَت



الجزء الرابع من خماسية مدن الملح حمل عنوان "المُنْبَت" و فيه يستعرض عبدالرحمن منيف حال السلطان المخلوع "خزعل" بعد أن أطاح به أخاه الأمير "فنر" خلال زيارة الى ألمانيا. هذا الإنقلاب الذي شارك فيه رجال زرعهم مستشار السلطان المخلوع "الحكيم صبحي المحملجي" أثر على العلاقات الودية بين خزعل و الحكيم التي توجت بزفاف السلطان من إبنة الحكيم الوحيدة. 9

السلطان بات يتعلق بأدنى بصيص أمل قد يعيد له عرشه المخلوع و لم يلتفت الى كم الوعود التي ساقها له إخوانه لكي يتأمل في عودة سلمية فيما هم يفعلون ذلك من أجل ان يصرف النظر عن أية تحركات قد يقوم بها من أجل عودة الحكم إليه. 9 

أما الحكيم وسط إغترابه فقد غاص فلسفاته التي لم تشفع له رحلة الإستحواذ فكفر بكل ما عمل و سعى من أجله في السابق. تغيرت نظرته لبدو موران الذين تنكروا لفضائله عليهم فهم مثل الصحراء التي يعيشون فوقها إذ بقدر ما تبدو الصحراء بسيطة ، مكشوفة ، متشابهة ، فهي خادعة ، غدارة ، و لا يمكن للإنسان أن يستحوذ عليها. 9

تخلى الجميع عن الحكيم ،، إبنه البراغماتي "غزوان" بات يعطيه الدروس في ضرورة أن يميز دائماً بين الرأسمال و الإدارة. الرأسمال باق و هو الأساس و هو الذي يشكل القوة و الهدف. أمّا الإدارة فإنها قابلة للتغيير بإستمرار و قابلة للتطور تبعاً لما تمليه حاجات رأس المال و ضروراته. و الحكومة ، أية حكومة هي الإدارة و هذه الإدارة قابلة للتغير بإستمرار. و لذا فعلى الحكيم أن يتخلى عن السلطان المخلوع و أن يلجأ الى المعسكر الحاكم. و قد تعمد منيف هنا أن يبرز نظرة العرب الوافدين من بطانة الملوك الى ما يجري في المنطقة على إنه إستحواذ على رأس المال بعيداً عن الولاء لحكومة مؤقتة. 9

بل حتى زوجة الحكيم "وداد" هجرته فسافرت الى الولايات الأمريكية أولاً لزيارة إبنها غزوان ثم ما لبثت أن أقلعت الى موران تاركة الحكيم مع إبنته "سلمى" التي طلقها السلطان المخلوع بعد الدسائس و المكائد التي تكفل بها حاشية السلطان. خسر الحكيم جميع علاقاته بما فيها تلك التي أقامها مع جيش الصحافيين و المفكرين الذين إستخدموه كجسر الى قصر السلطان فقط لا غير. 9

الحكيم إكتشف أن الطيور و كل الحيوانات تعبد النور ، تستحم فيه ، تلاحقه من مكان لآخر. و في النور تأكل ، تطير ، تمارس الحب و تتفلي في ضوئه. فإذا جاء الظلام أو جاءت الأيام الشتائية القصيرة خلدت الى الراحة أو بدأت هجرتها. أما الإنسان فإنه يفعل العكس : ينتظر الظلمة لكي يمارس ما يعتبره جميلاً و لذيذاً. و في الظلمة أيضاً تتم المؤامرات و تتغير الدول و تحضّر الإغتيالات و الفتن بحيث لا يبقى للنهار إلا تلك الأقنعة التي يضعها الناس كي يخفوا وجوههم و قناعاتهم و العواطف التي تملأ قلوبهم. لذا فقد خلص الى أن الطيور و الحيوانات أفضل من الإنسان لأنها تعرف كيف تعيش. أما الإنسان فيعرف شيئاً واحداً : كيف يقضي على الآخر. و من أجل القضاء على الآخر يبدد حياته كلها .. ثم ينتحر ! 9

نهاية هذا الجزء كانت مأساوية بإنتحار سلمي و وفاة السلطان المخلوع و إستمرار الغربة النفسية و المكانية للحكيم في منفاه القسري. 9


password: liilas.com

Wednesday, 24 February 2010

مدن الملح لعبدالرحمن منيف : تقاسيم الليل و النهار


في هذه الدنيا كل شئ يتغير إلا الفقر و الفقراء ، الفقر يبقى فقراً و الفقراء يزدادون ! 9

في الجزء الثالث من هذه الخماسية الممتعة ، يغوص الكاتب قي أعماق التاريخ ليستحضر قصة توحيد السلطنة عندما غزت موران أرض الحويزة أولاً قبل أن تنطلق الى أرض العوالي بمساعدة إنجليزية خطط لها المستشار هاملتون. تبدو القصة مقاربة بشكل كبير لقصة توحيد و قيام الدولة السعودية الثالثة. فموران العاصمة هي "الرياض" التي إزدهرت بعد تدمير "الدرعية" على يد ابراهيم باشا الذي أنهى الدولة السعودية الثانية. و الموحد هو السلطان خريبط الذي ما هو إلا "الملك عبدالعزيز" و أبناءه خزعل "الملك سعود" و فنر "الملك فيصل". أما المستشار فهو هاملتون "فيلبي" و بتلر هو "نوكس" الذي عقد "مؤتمر العقير" في عام 1922 و أنهى مطالبة عبدالعزيز بالحدود الشمالية التي أستوطنتها قبائل الشمال و عوضته بدلاً منها بالمنطقة الشرقية التي أستقطعت من الكويت و رجال "فيصل الدويش" الذين ثاروا على بن سعود. و بن ماضي هو "الشريف" و العوالي هي "الحجاز" و الحويزة هي "حائل". 9

يبين لنا الكاتب كيف إستطاع خريبط تطويع قبائل البدو المتصارعة بوسائل ثلاث نقلها على لسان السلطان كما يلي "ما تقدر على البدوان ، أولاد الحرام ، إلا بواحد من ثلاثة : الذهب أو السيف أو جنة الخلد التي تجري من تحتها الأنهار". و يبين دور رجال الدين في ايجاد شرعية الحكم بعد المجازر التي قام بها "الإخوان" و السلب و النهب الذي روع الأبرياء الآمنين فلم يترك السلطان الثورة تصل إليه. جنّد رجال المدن و رجال الدين ، و استغل العلاقات و الفجوات التي يعرفها ، و ساهم بتكوينها ،خلال فترات سابقة ، و انطلق الى البادية قبل أن تصله البادية. 9

 صوّر منيف بدقة ذلك الغضب المقدس و تلك الحالة البائسة التي وجد فيها السكّان المقتلعون من جذورهم و الذين رأوا الدخان يتصاعد من حقول البترول العجفاء التي أخذت في الانتشار طاردةً أشجار النخيل المثمرة، أو تلك الإهانات التي شعر بها مربو الخيل والجمال الذين رأوا حيواناتهم التي طالما تغنوا بجمالها في أشعارهم تخلي الساحة للسيارات، أو إدمان الترف دون أن يطال الفقراء شيئاً من هذا الترف حيث بقى الفقر حاضراً و بقوة في أرجاء السلطنة. 9

كما أوضح الكاتب الدور الذي قامت به الإمبراطورية البريطانية (و الأمريكان فيما بعد) لرسم خارطة الحدود بعد سقوط الدولة العثمانية و الفراغ الذي ساد الجزيرة مما أوجد الفوضى في صحراء قاحلة تطفو على محيطات من النفط الأسود. لقد صُنع هذا التاريخ بواسطة لتي إستخدمت الدول العظمى الإستعمارية المستشرقين من أجل ضمان مصالحها قبل رحيلها عن المنطقة. فمن الرائع و المفيد أن يعتقد هؤلاء السلاطين أنهم كبار و عظام ، و ان يكونون واثقين هكذا ، و أن ينظروا الى الآخرين دون أن يرف لهم جفن. أنهم شجعان حين يتحدثون ، و لا بد ان يجئ وقت يتوهمون أنهم فعلاً يصنعون التاريخ ، لكن من حسن حظ التاريخ ، خاصة الآن ، أنه يُصنع في أماكن أخرى ، و أنه رغم العلامات التي تميزه ، و لا يخطئ في قراءتها الكثيرون ، فإنه لا يصر على أن يُستهلك في مكان محدد ، خاصة مكان صناعته ، فهو ملك مشاع ، و يمكن لأي قوي أن يدعيه ، كما يمكن لأي واهم أن يدعيه ، مستغلاً ضعف الآخرين أو جهلهم. 9

كما يبين أن الإنتقال السلمي للسلطة كان رهين توافق القوى العظمى التي استقرت على تفضيل الأمير فنر الصموت الذي "يسمع بعينيه وقلبه وأذنيه" و الذي تلقى تدريبه الأساسي على يد هاملتون في لندن و تأسيس حكم قوي في المنطقة يحفظ موازين القوى و يخلق الهيمنة لمصالح تلك الدول. أمّا الهامل الثاني فكان النساء رهينات المخادع من زوجات السلطان فكل واحدة منهنّ لديها سلاحها : "الشركسية تبرق ، و العجمية تغنج ، و السودا توج ، و العربية تعج ، و الكرجية تناظر و تقول : وين تروح من هذا الفج" ! 9

يمتلئ هذا الجزء بحكمة السلطان القوي خريبط و الذي يعترف الكاتب ضمناً بدهائه السياسي و بمعرفته بموازين القوة و نقاط الضعف لدى مشيخات الجزيرة و قبائلها و التي حاول نقلها لأبنائه الذين لم يعانوا من شظف الهجرة و قسوة الحاجة التي أرغمته على طلب المعونة من "الكفّار" مقابل معاهدات استغلال الثروة النفطية و التنقيب عن المعادن في أرضه. 9

"لا تطلبن حاجتك الى واحد من ثلاثة ، لا تطلبها إلى الكذاب فإنه يقربها و هي بعيدة ، و يبعدها و هي قريبة. و لا تطلبها إلى الأحمق فإنه يريد أن ينفعك و هو يضرك. و لا تطلبها إلى رجل له عند قوم مأكلة فإنه يجعل حاجتك وفاءً لحاجته" 9



Thursday, 18 February 2010

مدن الملح لعبدالرحمن منيف : الأخدود


"لا قيمة لشئ أبداً ،، لا للأحياء و لا للموتى ، في هذه المدينة ، فإذا كانت قبورهم هكذا ، فإن موتهم أشد تعاسة من حياتهم"

ينتقل الروائي عبدالرحمن منيف بنا الى صورة جديدة رسمت لتلك الصحراء القاحلة التي وهبها الله نعمة أو نقمة ذلك الذهب الأسود الذي يدعى النفط. فبعد إن إستعرض الكاتب في الجزء الأول "التيه" تأثير إستكشاف النفط و وجود الغرباء على المجتمع المنغلق في حرّان ، ينتقل بنا في الجزء الثاني "الأخدود" الى قلب عاصمة السلطنة "موران". و ينقل لنا بعض الشخصيات التي تسيّدت الجزء الأول لا سيّما "الحكيم صبحي المحملجي" الذي لعب دوراً محورياً في التأثير على السلطان الذي إعتلى عرشه مؤخراً. 9

يركز منيف على بطانة السلطان و لا سيّما من الوافدين العرب الذين تعددت شخصياتهم ومآربهم و أضحت عاصمة النفط هي وطنهم الجديد فالوطن في منظروهم ليس الأرض و البشر ، الوطن ، من خلال التجربة ، هو المال ، و الإنسان محل ما يُرزق يلزق ، لأن الواحد عندما يكون غنياً يكون قوياً ، و كل مكان هو فيه وطنه. 9

نماذج كثيرة كصبحي المحلمجي الذي إستورد أقاربه راتب و سعيد و حسني الذين حاولوا خلق المكان فالرجال هم الذين يخلقون الأماكن ، و هم الذين يتركون بصماتهم عليها ، إذا إشتعلت عقولهم و قولبوهم بهمٍّ عظيم ، أما إذا أصبحوا يبحثون عن الماء و الظل و الحياة السهلة فإنهم سيمضون مثل الحشرات دون أن يخلفوا أثراً. 9

و في سبيل ذلك إنتهجوا طريق الفكر ، فأرسوا تأثيرهم بمشاريعهم الجديدة و طموحاتهم في السيطرة كالصحافة التي حاولت أن تعيد تشكيل أي عقل ، حتى عقل السلطان نفسه. و حاولوا لإقامة دعوتهم التاريخية التي تستند الى الفكر و الإقناع لذا حاول إقناع السلطان بإيجاد المفكرين و الدعاة و خلق دعوة موران الخاصة التي تحارب الكفر و الإلحاد و الفساد ،، ليس داخل حدودها فحسب و إنما خارج الحدود أيضاً ! 9

كما حاولوا السيطرة على القوة و المال بإنتهاج سياسة العصا و الجزرة فخلقوا الأنظمة الأمنية و زرعوا في كل زاوية لغم و في كل كلمة لغم و لا بد أن يصطدم الخصم بلغم في يوم من الأيام و يتفجر ! و لم يكن الخصم سوى المستوطنين الأصليين الذين تبرموا من تغير الأوضاع فكل شئ الآن يختلف عما كان من قبل. السيارات بدل الخيل و الإبل. البيوت العالية و الأسوار المغلقة بدل الخيام أو تلك البيوت الطينية التي تعتبر جزءأ مما حولها و التي كانت أبوابها مفتوحة بإستمرار. و التجارة و الشوارع و أخلاق الناس و علاقاتهم ،، كل شئ تغير ! و أضحت موران مدينة لا ترحم نفسها و لا ترحم ساكنيها : مجموعة من الأنقاض تتزايد كل يوم في مقابل جيوب تنتفخ كل يوم ! 9

لكن ما لبث أن حدث الإصطدام و تغيّرت مراكز القوى في الصراع على النفوذ و المال لتنطلق بذلك تكتيكات حرب الهيمنة التي مزقت المجتمع و شوّهت ملامحه. القمع و القسر و الرقابة طالت كل شئ بمساعدة الأمريكان. فإذا إقترن الفقر بالحلم تولدت الثورة .. و إذا ضُمِن أن الناس تقرأ ما يكتب ذلك الفريق و منعوا من قراءة ما يكتبه الفريق الآخر ، و إذا روقب كل شئ و سدت الثغرات ، نتكون نصف المعركة قد كُسِبت ! 9

لكن عودة شقيق السلطان غيّرت كل شئ فهو لم ينافس خصمه "السلطان" في المكان و الزمان الذي يريد و حيث هو قوي. لكن تركه يركض ورائه و ينافسه في القضية التي لا يعرفها و لا يقدر عليها حتى يتعب ، و عندما تأكد أنه أضعف منه يخضع لك إنقض عليه و في ذلك إشارة ضمنية واضحة الى تغيير مقاليد السلطة بين الملك "سعود" و الملك "فيصل" في المملكة العربية السعودية ! 9

هنا فقط كانت نهاية هذا الجزء المُشوّق ! 9
 

Friday, 29 January 2010

مدن الملح لعبدالرحمن منيف : التيه


ان الكثيرين لا يعملون شيئاً سوى السرقة. يسرقون حين يشترون و يسرقون حين يبيعون. يا أهل حرّان الفلوس قبلكم كثيرين ، خربت دول و ممالك. الفلوس إذا انعبدت استعبدت و ما أسعدت. 9 


سمعت كثيراً عن هذه الملحمة التي تناولت تاريخ الجزيرة العربية الحديث و تأثيرات إكتشاف النفط على ذلك المجتمع البسيط المغلق الذي كان يعيش بها. و إكتشفت بأني تأخرت كثيراً في قراءة الأجزاء الخمسة (أكثر من 2500 صفحة) فما خطه تركي الحمد في ثلاثية الأزقة المهجورة (العدامة ، الشميسي ، الكراديب) ما كان إلا محاولة لتكرار ما قام به عبدالرحمن منيف و الذي نشر الجزء الأول من هذه الخماسية في سنة 1983. 9

يعد عبد الرحمن المنيف أحد أهم الروائيين العرب في القرن العشرين. حيث استطاع في رواياته أن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي العربي والنقلات الثقافية العنيفة التي شهدتها المجتمعات العربية خاصة في دول الخليج العربي أو ما يدعى بالدول النفطية. ربما ساعده في هذا أنه أساسا خبير بترول عمل في العديد من شركات النفط مما جعله مدركا لاقتصاديات النفط، لكن الجانب الأهم كان معايشته و إحساسه العميق بحجم التغيرات التي أحدثتها الثورة النفطية في صميم وبنية المجتمعات الخليجية العربية. يعتبر منيف من اشد المفكرين المناوئين لأنظمة كثير من الدول العربية. عمله الأبرز هو رواية (مدن الملح) في خمسة أجزاء : يصف الجزء الأول التغيرات العميقة في بنية المجتمع البدوي الصحراوي بعد ظهور النفط ، في الأجزاء الثاني يبدأ بوصف رجال الأعمال الذين وفدوا على المنطقة الخليجية و دخولهم في تحالفات مع حكام المنطقة ، الأجزاء الثلاثة الخيرة تصف التحولات و التفاعلات السياسية في شبه واضح مع تاريخ حكام آل سعود ، هذه الرواية صنفته سريعا كمعارض لنظام الحكم السعودي و منعت رواياته من دخول المملكة العربية السعودية و كثير من الدول الخليجية كونها تؤرخ لفترة لحقبة لا يكاد الجيل الجديد من أبناء الدولة يعرف عنه شيئا حيث أن متوسط أعمار أكثر من ٦٠٪ من مواطني المملكة يدور حول الحادية والعشرين، ولكون تاريخ حكام "السلطنة الهديبية" في الرواية يتماشى في تطابق مع تاريخ حكم آل سعود. لكن سمح بنشرها مؤخرا في معرض الكتاب بالرياض و لكنها ما زالت ممنوعة في الكويت ! 9


الرواية تمثل نقلة نوعية في السرد التاريخي والتأريخ الشخصي لحقبة يجد الكثير من الجيل الجديد صورة غير كاملة يضيعها وصف ما بعد تلك المرحلة أو الحاضر بصورة وردية ولكن أيضا غير كاملة . مدن الملح هي ورقة مهمة تتحدث وتؤرخ عما هب على الحياة البدوية من رياح حضارية أثرت بلا شك بحياة البداوة الكاتب رصد بدقة الحياة البدوية وعبر عن ما يجيش في نفوس الكثير من البدو وتحول حالهم الى الغنى المفاجئ والاثار الناتجة عن ذلك. 9

و قد صنفت الرواية في المركز 105 ضمن تصنيف اتحاد الكتاب العرب لأفضل الروايات العربية. 9

تبدأ الرواية في الجزء الأول (التيه) في التطرق إلى اللحظات التي تلت إكتشاف البترول في الجزيرة العربية والتحولات التي حدثت لأهالي تلك المناطق، وكيف تكونت الدولة و تصور تحويل بعض القرى الى مستعمرات أمريكية بسبب إكتشاف النفط و ترحيل من كان يقيم بهذه القرى و توظيفهم للعمل كسخرة. ثم يبدأ تأثير دخول الحضارة الأمريكية بمادياتها على السكان من بدو حضر. فنرى تأثير المنظار المكبر ثم المذياع و السيارة ثم الهاتف ناهيك عن إستغراب السكان من تلك الآلات العملاقة المستخدمة في التنقيب و الإستكشاف و تسوية الأرض و رؤية العرايا من صبايا الأمريكان دون أن يرف جفن للقوى السياسية أو الدينية المهيمنة على تلك النواحي. 9

التراكتورات و هي تهجم مثل ذئاب جائعة على الأشجار و تبدأ تمزيقها و ترميها أرضاً الواحدة بعد الأخرى ، و ثم بعد ذلك تسوي بين شجرة و ثانية ، بين الساقية و الأرض التي حولها ن حتى إذا إنتهت من مجموعة من الأشجار هجمت بنفس الضراوة و الوحشية على مجموعة جديدة و بدأت تقتلعها. كانت الأشجار و هي تميل و تترنح ، قبل أن تسقط ، تصرخ ، تستغيث ، تولول ، تجن ، تنادي نداءً أخيراً موجعاً ، حتى إذا إقتربت من الأرض هوت بتضرع ، و كأنها تحتج أو تريد أن تلتحم بالتراب من جديد ، في محاولة لأن تنبثق ، لأن تنفجر مرة أخرى. 9 

نتلمس أفكار الكاتب الإشتراكية حين يبرز حقوق العمال المهضومة و محاولاتهم لتنظيم أنفسهم (في تلميح الى نشأة النقابات التي عصفت بالمنطقة الشرقية فيما بعد و أدت الى قمع الكثير من القيادات العمالية الإشتراكية و البعثية تحديداً) و أثر الهجرة المنظمة على نواحي الحياة فنرى الخباز النوبي و السائق الأرمني و الطبيب السوري و التاجر الإيراني ناهيك عن المئات من البدو الرحل الذين خدعوا بهذه الحياة الجديدة و ظنوها طريقهم للخلاص من شظف الحياة القاسية في بيئة صحراوية لا ترحم. 9

الرمزية حاضرة. في المكان حيث رمز الكاتب لمدينة الظهران الواقعة على البحر بإسم "حرّان" التي قسمت الى معسكرين : حرّان العرب و حرّان الأمريكان و الإختلاف الهائل في وسائل المعيشة و سبل الراحة. كما إن الخط الزمني شبه مغيب في أحداث القصة فلا ذكر لسنة أو تاريخ و لا تتابع منظم للأحداث. و يحاول الكاتب الى محاولات التدخل البريطاني عن طريق بعض الوسطاء الإيرانيين. و ما أثار دهشتي تصوير الكاتب للبدو على إنهم متمسكون بالعادات و التقاليد أكثر من الدين نفسه فكثير منهم لا يصلون بإستمرار و لا يصومون أما الزكاة و الصدقة و التكافل المجتمعي فهو غائب و لكن العادات و التقاليد هي ما تجعلهم يقومون بممارسة شعائر الدين لا أكثر. كما ينوه الكاتب الى الصوت الديني الثائر همساً الممثل في أحدى شخصيات القصة "بن نفاع" و الذي يحاول تأليب السكان الأصليين على السلطة و على الأمريكان. 9 

أبرز ما في الرواية القدرة الهائلة للكاتب على التصوير. غلاف الرواية نفسه بلونه الأصفر يجعلك تحس بذرات الغبار و الحرارة الشديدة التي إكتنفت بيئة الرواية. 9

بشر وادي العيون مثل مياهه. إذا زادوا عن حد معين فلا بد أن يفيضوا و يتدفقوا الى الخارج. و هذه الزيادة ، فالهجرة ، لازمتهم منذ أمد بعيد. فجأة يحسون إنهم تكاثروا ، و أن الوادي لم يعد قادراً على إحتمالهم ، و لا بد للشباب القادرين على السفر من إكتشاف أماكن جديدة ، ليشدوا الرحال لهم من أجل الإقامة و الرزق. 9