يقاس رقي الدول و الأمم و الحضارات بمدى إلتزامها بالقوانين التي تشرعها لنفسها و تنظم جوانب حياتها السياسية و الإقتصادية و المعيشية. فحين ننظر الى حضارات الأمس سنجد أن المتفوق منها كان لديه من المخزون التنظيمي الشئ الكثير ، حتى في فنون كالعمارة نجد النمط و النسق مرتب في هذه الحضارات. و حين نلقي بنظرة الى عالم اليوم نجد الدول المتقدمة هي التي تلتزم بالقانون المدني بحذافيره و تلتزم به و تطبقه على جميع الناس سواسية و تنتشر فيها مبادئ العدالة الإجتماعية و المساواة و تكافؤ الفرص. 9
في سنة 1961 ، ولدت دولة خليجية، عربية، اسلامية، إختار لها مؤسسوها هوية تناطح بها اغنى الدول الراسخة في منظومة الامم، كان الحس التنموي حاضرا، والوعي فائقا، والانتماء مبعثا للفخر والعزة، والشعور بقيمة الذات وقدرة البلاد وعزم الولاء في أوجه لا يضاهيه شعور آخر. 9
آمن أميرها و رجالاته و شعبه بحقهم المشروع في الحرية والعدل والمساواة. وفي ظلال هذا المشهد كانت الثروة ما زالت في طريقها نحو التشكل، تتقدمها ارادة الابناء لصناعة سفينة المستقبل الواعد، وحياة كريمة، ودولة فتية يشار اليها بالبنان، فقد كانت تطلعات الشعب سابقة لمقومات الثروة، حامية للبلاد، مدافعة عن الانجازات، لا تهتز مقابل الاعاصير والمحن او صعوبة الغايات. 9
وكان المجتمعون بمختلف مشاربهم على قلب رجل واحد إسمه عبدالله السالم، يجمعهم انتماء وولاء، وعهد واحد، بل وعقد دستوري واحد ارتضوه اجتماعيا قبل ان يكون سياسيا. عقد جمع الشعب حول اسرته التي حكمت من دون تحكم، وسعت من دون تسلط وملكت من دون احتكار، ومضت بغير سطوة. و سنت على أثر هذا العقد قوانين كبحت جماح تجاوزات علية القوم الذين صدموا من إنتقال النظام من عشائري الى دستوري قانوني. 9
اليوم بات الأمر مختلفاً ، فمن تملك زمام الأمور ، يسبح عكس التيار لا في المنطقة فحسب ، لكن في العالم أجمعه. نحن الدولة الوحيدة في العالم التي تحاول العودة الى حكم العشيرة و القبيلة و تضرب بعرض الحائط هيبة القانون و سيادته. نوطن العنصريات البغيضة و نحاول أن نمحي هوية مجتمعنا السمحة و نستبدلها بأخرى يحاول الجميع التخلص من آثارها. 9
تآكلت الدولة ومؤسساتها وذهبت سيادة القانون أدراج الرياح، بعد ان اصبح كل شيء يتحقق بواسطة او بصفقة، فالشهادة، والوظيفة، والسياحة العلاجية، وتعطيل الاحكام والافراج عن المجرمين، وغيرها من الامور بلاحدود او سقف تتحقق بهذا الطريق، حتى استبيحت كرامة الوطن و عزته في الساحات والمحافل العامة. وحلت مكان الوطن ولاءات وانتماءات عديدة تعزف على اوتار الطائفة أو القبيلة أو الفئة أو العائلة أو المنطقة، تكن جميعها الاحترام لديناره بدلا من كيانه. 9
قد تعلمنا في صغرنا مقومات الدولة ثلاث : الحدود – و هي المنتهكة التي لا نستطيع الدفاع ، حتى بتنا لا نستطيع إقامة مصفاة نفط على أرضنا !! و شعب ، مكون من مليون نسمة ، يتقاتل يومياً على أتفه الأسباب و يقاد بواسطة صحافة مأجورة لا ترى فيها إلا الشتائم و السباب و كأن الدولة قد خلت من المشاكل ، و سلطة ، منتفية تماماً. سلطة فاقدة للرؤية و الشجاعة و الحصافة السياسية. سلطة تعجز عن محاسبة عامل بنغالي بسيط ناهيك عن الشريك الكويتي ، قام بالإستيلاء على 17 ألف متر مربع من أراضي الدولة
و قام بتخزين خمسين الف طن من المعادن ، قام بسرقتها تمهيداً الى شحنها و بيعها في الخارج بقيمة 100 دينار للطن. 9
فأي مظهر لدولة القانون قد بقى ؟ نحن لا نستطيع ان نطبق القانون. نتغنى به و نكتب المعلقات فيه ثم نكسره في الحال. نحن نعيش في بلد البيروقراطية و الإهمال و الضعف. 9
عندما يقوم المؤتمن على تنفيذ القوانين بتعطيلها فماذا تكون النتيجة؟ عندما يتجرأ نفر من الناس بالقفز على القوانين و يطلبون مقابلة المؤتمن على مصالح البلد لوقف تنفيذ القانون ، فماذا ستكون النتيجة؟ تقر قوانين و تصدر بإسم أمير البلاد ، و يتلاعب نفر من أطفال الملاعب بهذه القوانين و يتحدون الجميع في تطبيقها ، فلا يجدون من يعاقبهم أو يحاسبهم ! 9
حكومة اليوم فاقدة الشرعية و لا أعرف سبباً واحد يجعل هؤلاء الأمعات يتمسكون بكراسيهم ، إغربوا و حلوا عن سمانا غير مأسوف عليكم ! و أستطيع أن أقول بكل ثقة ، أنه لا يوجد شخص شريف يملك حساً وطنياً و يقبل المشاركة في هذه الحكومة. 9
تطنطنون بشعارات زائفة نعلم تماماً بانها كاذبة تلوكها الألسن بدون أدنى وعي بمعانيها كما يلوك الجمل غذائه و تختزلون الوطنية برفع الأعلام و الأغاني. حتى كفر الناس بكل قيمة جميلة و كفر الناس بمقدرتكم على إدارة الدولة. مكافحة الفساد ، هذا هو الشعار الذي أوهمتونا به و أنتم من قتل القانون و أضاع دمه بين القبائل و الطوائف. لقد فقدتم المصداقية و إحترام الناس و لن يغفر لكم التاريخ خطيئتكم في حق الوطن و لن نغفر لكم قتل أحلام أطفالنا. ماذا سأقول لأطفالي عن وطنهم الذي لا قانون فيه و لا إحترام للإنسان؟
ان مثل هذه السياسة التخريبية التي تنتهجها السلطة على مدى السنوات الماضية، ومازالت، هي التي نزعت الهيبة عن الدولة، وجعلتها عرضة للضغط والابتزاز، فالسلطة التي تتنازل طواعية عن جزء من مسؤوليتها وتتخلى عن واجباتها، ترسم انطباعاً لدى الناس بانها سلطة ضعيفة لا تعي مسؤولياتها، ولا تفقه خطورة التفريط في القضايا المبدئية وبالتالي فهي قابلة للضغط والابتزاز. وهذا ما يعبر عنه بالضبط التصعيد اللامبرر واللامسؤول والشحن التحريضي المستمر على الدولة، الذي بات يمارسه الجميع بلا إستثناء. 9
إنها نهاية الدولة ، و الملام هنا هو من قادنا الى هذه الهاوية برغم الفوائض المالية الإستثنائية. و أقول لمن يهمه الأمر ، لقد تملكتم السلطة لعقود كرستم فيها سياسة الفوضى على مدى اربعين عاماً. كل ما نراه من دمار للهوية الكويتية هو من صنع أيديكم. صراعكم و تقاتلكم على الكراسي هو ما أوصلنا لهذه النقطة. أنتم من انحرف بالمجتمع وجعلتم الفرد فيه انانيا لا يرى الا مصلحته. أنتم من لم يحترم القوانين ولم يراعي الانظمة، وبالتالي جعلتم الكل يستبيح الدولة , دولة اللاقانون ، اللا قرار ، دولة التردد و التخبط. 9
أبنائكم يعصرون موارد الدولة بدءاً من شبرة الخضرة مروراً بالرياضة و و إنتهاءً بناقلات النفط و أصبحوا يتاجرون بكل شئ من الأسلحة الثقيلة الى الأسواق الشعبية. ثم تريدون تصوير المجتمع على إنه غابة مكونة من طوائف و اعراق متعددة. لا سيادة فيها إلا لحكم رئيس العشيرة. 9
فهنيئاً لكم بما صنعته أيديكم ! و بأساً لنا إلتزامنا الصالح في زمان طالح !! و لا نقول لكم إلا ،، أحسن الله عزاكم في هذا الوطن ! 9