كتبت مسبقاً عن حالة الإحباط العامة التي يعيشها الشباب الكويتي و حالة السأم التي يعيشها المجتمع الكويتي ككل بسبب الجمود و إنعدام الحراك في كثير من القضايا المعلقة. لا قيادة قادرة على توجيه المجتمع و لا حكومة قادرة على تطوير البرامج و تنفيذها و لا برلمان قادر على تمثيل توجهات الشعب. دوامة من الضياع نعيشها لا نعرف لها مخرجاً و لا شخصاً منتظراً ينتشلنا منها. 9
و في أعقاب إقرار الدوائر الخمس ، ظهرت العديد من الحركات و التجمعات و الحملات ، سياسية كانت ام فكرية ، إستبشرنا بها خيراً ، لكنها لم توفق للأسف في إحداث الحد الأدنى من التأثير. رأيت الكثير ممن شارك فيها ثم إبتعد لأسباب مختلفة. لا أستطيع أن أجزم بفشل هذه الحملات و التجمعات ، لأن أثرها قد يكون فاعلاً على المدى الطويل ، و هي نقطة لا يلتفت لها الكثيرون ، مثلما أصيب الناس بالإحباط بسبب المخرجات الأولية لنظام الدوائر الخمس رغم إن الحديث يتزايد عن ضرورة الحياة الحزبية المنظمة و رغم إن "تكبير" الدوائر و تنويع الخيارات مدخل أساسي للنظام الحزبي. إلا إن الجميع يستعجل النتائج و يريدها آنية ، متناسين إن الأثر المدمر للدوائر الخمس و العشرين لم يظهر جلياً إلا بعد خمسٌ و عشرون سنة من إقرارها (أو تخريبها لا فرق) سنة 1981. 9
هذا الأمر أشعل الكثير من الأسئلة في ذهني ،، سأحاول أن سرد وجهة نظري الخاصة حولها ، قبل أن أطرحها في نهاية المقال ، فأنا أحتاج فعلاً الى بعض الأجوبة. مع ملاحظة إن ما سأطرحه "لا يمكن أن يكون نقداً" بل هي مجرد فضفضة لملاحظات. فمن يريد أن ينتقد ، يجب ان يعمل أولاً ، و أنا بعيد جداً عن مثل هذا الأمر. و لا يمكنني ان ابخس مجهودات الآخرين ممن حاولوا تقديم شئ بعكسي أنا المستظل في واحات الكيبورد الوارفة. 9
أنا أرى إن هذه التجمعات و الحركات قد فشلت لأسباب منها إعتمادها الخالص على التنظير و إقامة الندوات و الفعاليات. قد يبدو الأمر موجهاً نحو زيادة الوعي. و لكن هل فعلاً وجهنا خطابنا للفئة المستهدفة و التي تمتلك أدوات التغيير؟ حين نتحدث عن سوء الإنتخابات الفرعية ، هل وجهنا مثل هذا الخطاب الى المناطق القبلية أم إنها الندوات قد عقدت في جمعية الخريجين التي لا يرتادها سوى النخب التي لا تحتاج الى إقناع بسوء هذه الظاهرة؟ هل إقامة مهرجان إحتفالي بالمرأة الكويتية قد غير و لو الشئ البسيط ؟ نفس المحاضرين و نفس الخطاب و نفس الجمهور و نفس المظهر الهزلي يتكرر مرة بعدم مرة ، حتى باتنا بمقدرونا ان نخمن الكلمة القادمة و هي تخرج من فم المحاضر حتى فقدت المصداقية و أصبح الأقوال مقدمة على الأفعال و عمقت من حالة "اللامبالاة" التي يعيشها الشباب الكويتي. 9
أصبح الأمر لا يعدو إلا توفير منابر إعلامية و بهرجة زائفة لنخب أكل عليها الدهر و شرب ، تحاول إستغلال قضايا عامة قد يؤمن بها بعض الشباب الصادق لنشر الفكر الخاص بها و الذي لن يجد له طريقاً في هذا المجتمع لأنه بعيدٌ تماماً عن ثقافته ، تحاول تطويع المجتمع خدمة للأفكار و المعتقدات الخاصة لا العكس. أستهلكت الأدوات الإعلامية التقليدية : ندوات ، شعارات ، باجات ، فاكسات الى الصحف ، و تكرار إعتمد على شخوص و رموز بعينها لا على أفكار تلامس إحتياجات المجتمع. 9
شخصياً ، أعتقد بأن خطاب أي حركة إصلاحية يجب ان يوجه الى الطبقة الوسطى التي تمثل اغلبية المجتمع. و حين أقول بالطبقة الوسطى فأنا لا أعني طبقة الموظفين التي تعتمد على راتبها الحكومي ، بل أعني تلك الطبقة المهنية التي تحاول تحسين وضعها المعيشي بطرق قانونية و شرعية. فلقد أثبتت التجارب التاريخية بأن هذه الطبقة هي القادرة على إحداث التغيرات الهيكلية في المجتمع و إن كان أثرها بطئ المفعول إلا إنه أطول تأثيراً من الإعتماد على مراكز قوى إقتصادية أو إعلامية أو حتى سياسية. 9
الخطاب يجب أن يكون من الشباب و إلى الشباب و يطوع أفكارهم خدمةً للمجتمع ، بعيداً عن الإيدلوجيات و الحركات السياسية التي هي سبب رئيسي في تدهور الأوضاع. خلافات الكبار حول مصالحهم يجب ألا يعيق الشباب على الوصول الى حد أدنى من التوافق حول هوية المجتمع الكويتي و طرح مشاريع تغييرية ، تجتث واقعنا المتخلف من جذوره دون محاولة إصلاح ما لا يمكن إصلاحه ، و الضغط حول تنفيذها بما يتوافق و تلك الهوية. قضايا كالإصلاح الإقتصادي و زيادة معدلات الإنفاق الإستثماري و الخصخصة و التعليم و تحرير الأراضي و تعديل النظم القضائية و إعادة إحياء الحياة الثقافية و الترفيهية الى المجتمع يمكن أن يجمع الكثير من الشباب عليها. و هنا يجب ان تكون السياسة أداة لتحقيق هذه الغايات و ألا تكون هي غاية في حد ذاتها. فالتسييس غير المبرر لكل شئ هو سبب رئيسي من مسببات الجمود الذي نعيشه. 9
و هذا التوافق لا مناص له إلا بالحوار و إعادة الثقة بين مختلف مجاميع الشباب الكويتي دون الجنوح الى عقليات المؤامرة و التخوين و التكفير التي مل منها الجميع. من يده في النار ، هو الشباب الكويتي ، لا سيما المنتمي الى الطبقة الوسطى ، التي لا تحاول أن تستظل لا بطائفة و لا قبيلة و لا عائلة. لنبتعد قليلاً عن الخطاب النخبوي من أشخاص قد إستفادوا من الفرص التعليمية و الوظيفية و حصلوا على نصيبهم من الثروة قبل أن يختلفوا فيما بينهم و كانوا سبباً رئيسياً في الفرقة التي نعيشها. فما معركتهم إلا من أجل أفكارهم الخاصة و ليست لمصلحة مطلق و حسين و خالد و غيرهم. نحن من يعاني من سوء الخدمات الصحية و التعليمية و غلاء الأسعار و ندرة السكن و شح الفرص الوظيفية و عدم التكافؤ حين يتعلق الأمر بمشاريع إستثمارية. 9
يجب أن تعالج مشكلة غياب الحوار و فقدان الثقة عبر تكثيف اللقاء بين النخب الشبابية من أجل خلق لغة حوار راقية و جو معقول يسمح بالإختلاف من أجل أن نفهم لماذا نحن مختلفين. هذا ما سيسمح لنا بمد جسور الثقة و التي ستساعدنا في أي عمل شبابي مستقبلي يدعو الى كسر هيمنة السياسة و طغيانها على أوجه الحياة في الكويت أو تكوين لوبيات ضاغطة تعالج مشكلة إنعدام القرار و تركز على تغيير سلوكيات النخب و البحث على مراكز قوى مساندة من أصحاب القوة. 9
حوارنا هذا يجب أن يكون صريحاً بلا مواربة و مجرداً من الإنتماءات السياسية و الإجتماعية. لا يخشى البحث في أخطاء الماضي و إن كان هذا ليس هدفه ، لكن أن يتعلم من الأخطاء و يبحث في المساحات المشتركة التي تجمعنا ككويتيين و تحدد ملامح الهوية الكويتية و إعادة تعريفها إن أمكن. هذا ما سيعطي الصدقية للعمل الذي يجب أن يكون خالياً من الرؤوس و الرموز و يجب أن يعتمد بصورة أفضل على وسائل إعلامية جديدة خلاقة و مبتكرة ، لتنشر الرؤية المشتركة و تخلق أدوات ضغط فعالة موجهة نحو الفئة المستهدفة و لا تحاكي نفسها ، مبتعدة بذلك على المثالية و الخطاب النخبوي و تركز على عملية تغيير مجتمعي طويل المدى بعيد عن الأنانية و المصالح الفردية و الأفكار و المعتقدات الشخصية التي يجب أن نركز على إحترامها في إطارها الشخصي دون الإخلال بمقومات المشروع الأوسع. 9
هذه هي أجوبتي للأسئلة التالية التي أتمنى ان أرى إجابات من الجميع حولها ، لأنها فعلاً تحيرني : 9
لماذا فشلت معظم الحركات و التجمعات التي ظهرت على الساحة مؤخراً و ما هي اخطائها ؟
كيف نكسر هذا الجمود و نعيد الثقة و الأمل للجميع ؟
إن كان من أفكار جديدة فما هو السبيل الأمثل لتحقيقها ؟ و ما هي مقوماتها ؟
ما هو شكل الخطاب الجديد الذي تحتاجه الكويت و الذي سيقنع الجميع بالإنضمام و يبعد عنهم حالة السلبية و الا مبالاة و يقنعهم بصدقية العمل ؟
كيف لنا أن نتحرك كشباب يريد العمل الجماعي الصادق ؟
و شكراً مقدماً على مشاركاتكم. 9


