تمهيد : هذا الموضوع هو مجموعة ردود على تعليق الزميل الطارق في مقال "عشنا و شفنا : حدس تتباكى على الدستور" إذ يبدو ان خزان وقود حدس من المزايدات على الدستور بدأ ينفذ. و للتنويه فإن عنوان المقال مستوحى من إحد عبارات الزميل العزيز حسام بن ضرار. 9
لنلخص الموضوع و سأكون محايداً و لن أحاول تقويل الزميل الطارق ما لم يقله. فهو يدعي بأن حركة الإخوان المسلمين قد رفضت مبدأ تنقيح الدستور كما عبرت عن ذلك مجلة المجتمع الناطقة بإسم الإخوان المسلمين في العدد 471 والصادرة في 19/2/1980 و في نص مداخلة السيد محمد ماجد الشاهين في مضبطة جلسة مجلس الأمة المؤرخة 30/12/1982 كرد على محاولة الحكومة ذلك كما جاء في الأمر الأميري المؤرخ في 29 أغسطس 1976.ألا تعتقدون بأن هناك هوة واسعة في التواريخ؟ الحكومة تتقدم بمبادرة تنقيح الدستور في أغسطس 1976 و الحركة ترد عليها في فبراير 1980؟ ثلاث سنوات و نصف (42 شهراً) هي الفجوة الزمنية يا زملاء. هل هذا الرد الذي تحاول تسويقه هو على نفس محاولة التنقيح؟ أم على أمر آخر؟
لنستعرض المحاولات الحكومية الثلاث لتنقيح الدستور و نعري موقف الإخوان المسلمين المعروف للقاصي و الداني منها: 9
بعد قرار حل 1976 و الدعوة لتنقيح الدستور ، تحركت القوى الشعبية و أصدر بياناً عرف ببيان إجراءات رمضان مهر بتواقيع سبع جمعيات و هي: الإتحاد العام لعمال الكويت ، رابطة الأدباء ، جمعية المحامين ، جمعية الصحفيين ، نادي الإستقلال ، جمعية المعلمين ، الإتحاد الوطني لطلبة الكويت و هي كلها محسوبة على التوجهات الليبرالية. طالبت هذه الجمعيات السبع بعودة الشرعية و الحكم الدستوري. تستطيع يا عزيزي الإطلاع على كتاب "الكويت الرأي الآخر" للدكتور عبدالله النفيسي ذو الميول الإخوانية ص 234- 236 و أيضاً ص 89-90 من كتاب الدكتور غانم النجار "مذكرات في الإقتصاد السياسي الكويتي" و أيضاً كتاب "الطليعة في معركة الديمقراطية" ص 132-133. 9
ماذا حدث بعد هذا البيان الذي رفضت جمعية الإصلاح التوقيع عليه؟ بل و نشرت مجلة المجتمع الأوامر الأميرية و لم تعلق عليها أبداً في عددها 315 المؤرخ في 31/8/1976.قامت الحكومة بإعتقال موزعي البيان و خصوصاً القيادات العمالية و التحقيق مع قيادات الهيئات الشعبية الموقعة على البيان. و في وقت لاحق ، قامت وزارة الشئون الإجتماعية و العمل بحل مجالس الإدارات المنتخبة لكل من رابطة الأدباء ، جمعية المحامين ، جمعية الصحفيين ، نادي الإستقلال و جمعية المعلمين و فرضت مجالس إدارة معينة عليها. ثم أصدرت قراراً بحل نادي الإستقلال و قامت بتسليم مقره الى نادي المعاقين. طالع كتاب "مدخل التطور السياسي في الكويت" للدكتور غانم النجار ص 102. 9
هذه هي كانت ضريبة الدفاع عن الدستور أيها الطارق. لكن ماذاجنت حركتم الموقرة من موقفها المتخاذل؟
شارك رئيس جمعية الإصلاح يوسف الحجي في عضوية مجلس الوزراء إذ تولى حقيبة الأوقاف و تم تأسيس الذراع الإقتصادي لحركة الإخوان المسلمين بمساهمة حكومية كبيرة. طالع كتاب "الديمقراطية في الكويت" للكاتب أحمد الديين – ص 74- 75 و كتاب "مدخل التطور السياسي في الكويت" للدكتور غانم النجار ص 104.أنت تقول بأن يوسف الحجي رئيس جمعية الإصلاح لا ينتمي إلى حركة الإخوان المسلمين و هي حجة سبق و أن ككرتها في مواضيع كثيرة لأسماء مختلفة تخجل حركتكم الموقرة من مواقفها و تتبرأ منها و ما عادت تنطلي على أحد. لكنني سأتجاوز هذا الأمر و أطلب منك بأن تشير لي إلى بيان مكتوب أو رأي منشور من حركة الإخوان المسلمين في تلك الفترة الواقعة منذ أغسطس 1976 يدين فيه وقف العمل بالدستور و حل مجلس الأمة حلاً غير دستوري و تقييد الحريات العامة. أرجو أن تفيدني في هذا الجانب و سأكون لك من الشاكرين. 9
و لم تكتف جمعية الإصلاح بهذا ، بل قادت حملة تواقيع في مايو عام 1977 لتنقيح الدستور أثناء فترة الحل من دون أن تعترض على تعطيل الحكومة العمل بدستور البلاد و الإتجاه الحكومي لتنقيح الدستور و إدخال تعديلات جوهرية تمس صميم صلاحيات السلطة التشريعية و تقلصها لصالح السلطة التنفيذية. طالع كتاب جماعة الإخوان المسلمين للدكتور فلاح المديرس ص 34 و كتاب "مذكرات في الإقتصاد الكويتي" للدكتور غانم النجار ص 96-97 و كتاب "الديمقراطية في الكويت" للكاتب أحمد الديين ص 75.و أتضح دعم السلطة لتيار الإخوان المسلمين بعد موقفها المتخاذل من خلال ما نقلته مجلة المجتمع في عددها 380 المؤرخ في 27/12/1977 حول لقاء رئيس جمعية الإصلاح السيد عبدالله علي المطوع مع وزير الشئون الإجتماعية و العمل آنذاك الشيخ سالم صباح السالم رحمه الله
اقتباس: 9
و قد طلب رئيس الجمعية من سعادة الوزير التركيز على ضرورة دعم الحكومة للإتجاه الإسلامي و مؤازرته لأن في ذلك حفظاً للكويت و أجيالها و حماية لها من الأفكار الهدامة و المبادئ المنحرفة ذات الإرتباطات الخارجية ... و أجاب سعادة الوزير أن الحكومة تؤازر الإتجاه الإسلامي و تشجعه. 9
هذا كان هو دور الإخوان المسلمين في تعطيل الدستور و قمع الحريات و محاولة تنقيح الدستور التي جرت في عام 1976. لكن بعد ذلك بثلاث سنوات و نصف (نفس المدة الزمنية لمداخلة الطارق) كما ذكر الكاتب أحمد الديين في كتابه "الديمقراطية في الكويت" ص 75 ، و بالتحديد في 10 فبراير 1980، أصدر الأمير مرسوماً نص على تشكيل لجنة للنظر في تنقيح الدستور لوضع تقرير بتوصياتها. و قد أنهت اللجنة (كان أحد أبطالها الخائن الدستوري الدكتور عادل الطبطبائي و العلامة الجهبذ يعقوب حياتي) أعمالها في 22 يونيو 1980 بعد إن أطلعت على 13 مقترحاً من خلال 18 إجتماعاً و أوصت بتنقيح مادتين: 9
• المادة الثانية بحيث تصبح الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع
• و المادة 80 لزيادة أعضاء مجلس الأمة الى 60 عضو
مقترح التعديل الأول تحديداً جاء بعد إتصالات مكثفة مع أعضاء لجنة النظر في تنقيح الدستور (غير الدستورية) فبعثت لهم رسائل شخصية و تم تنظيم الأنشكة العامة باسم "الدستور الإسلامي" من أجل الضغط على اللجنة للتوصية في تقريرها بتغيير المادة الثانية للدستور. طالع كتاب "مدخل التطور السياسي في الكويت" للدكتور غانم النجار ص 108. 9
الآن هل يريد أن يقول زميلي الطارق بأن حركة الإخوان المسلمين قد رفضت مقترحي اللجنة هذه؟ بل هي ضغطت على تنقيح الدستور في فترة الردة الدستورية و في غير الطرق المنصوص عليها في الدستور. ما أوردته يا عزيزي من كلام منقول عن مجلة المجتمع هو مجرد رسالة تذكيرية (أي يؤكد الموافقة على التنقيح) الى أعضاء اللجنة قبل البدء بأعمالها تنصحهم فيها بالصدق و الحق و الأمانة. هذا كان موقف الإخوان المسلمين ، الموافقة ضمناً على مقترح تنقيح الدستور. بينما رفضت باقي القوى الوطنية هذا الشئ لأن التنقيح لم يأت من خلال القنوات الدستورية المنصوص عليها في دستور عبدالله السالم و أتى في وقت التعطيل الدستوري و اللجنة المشكلة نفسها لم تكن قانونية كما أوضحت دراسة قيمة للدكتور عثمان عبدالملك الصالح ، كتبت عنها في مقال سابق و لهذا الدكتور عادل الطبطبائي يُنْعت بأنه الخائن الدستوري بدلاً من الخبير الدستوري. 9
و بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران و إندلاع الحرب العراقية الإيرانية و توتر الوضع المحلي بعد سلسلة أحداث مجلس شعبان ، أدركت السلطة أنه لا يمكن الإستمرار بتعليق عدد من مواد الدستور و تعطيل الحياة النيابية فصدر في 24 أغسطس 1980 أمرٌ أميري يقضي بدعوةمجلس الأمة الى الإنعقاد إلا إن الحكم لم يتنازل عن مشروعه لتنقيح عدد من مواد الدستور ، و ذلك عن طريق إنفراد الحكومة بتعديل قانون الإنتخاب و إعادة تحديدها عبر التقسيم الى 25 دائرة إنتخابية بدلاً من 10 و هذا كان المدخل الخلفي لمحاولة لتنقيح الدستور في الإتجاه غير الديمقراطي. و عندما قدمت الحكومة مشروعها لتنقيح الدستور في 5 أبريل 1982 ، إستمر المشروع مدرجاً على جدول الأعمال فترةً من الزمن و تم التصويت بالموافقة على مبدأ التنقيح في جلسة 14 ديسمبر 1982 و وافق من حيث المبدأ 37 عضواً و عارضه 21. و قد تضمن المشروع الحكومي تعديل 17 مادة من الدستور لم تكن بينها المادة الثانية التي تحاول تيار الإخوان المسلمين تعديلها بشتى الطرق. لكن حينما نوقشت التعديلات في اللجنة التشريعية قامت برفضه ما أدى الى سحب الحكومة لمشروعها قبل التصويت عليه. 9
هذا لم يكن نتيجة عمل برلماني منفصل كما يذكر الكاتب أحمد الديين في كتابه "الديمقراطية في الكويت" ص 77 ، بل كان نتاج معارضة شعبية متنامية لمشروع تنقيح الدستور عبرت عنها إجتماعات الهيئات الشعبية مع أعضاء مجلس الأمة لحثهم على رفض مشروع التنقيح و المذكرة التاريخية الشهيرة الموجهة من زعيمي الحركة الوطنية الدكتور أحمد الخطيب و جاسم القطامي و الدراسات القانونية المنشورة لبعض الفقهاء الدستوريين الكويتيين من معارضي مشروع التنقيح و الندوات السياسية التي نظمتها قوى المعارضة السياسية (الحلم الجميل: لم تكن حركة الإخوان من بينها إذ لم تنضم الى المعارضة السياسية الا في عام 1986). و تستطيع الإطلاع على نص مذكرة الدكتور الخطيب و القطامي في كتاب الطليعة و معركة الديمقراطية ص 171-179. 9
إذا مما تتقدم كله نستخلص أن محاولات تنقيح الدستور جرت على ثلاث مراحل مختلفة. كانت الأولى في سنة 1976 أخذ فيها الإخوان المسلمين دور المشارك في تعطيل أحكام الدستور و العمل على تنقيحه لتضييق الحريات من خلال صمتها الفاضح الذي أفضى الى معاقبة القوى المعارضة و مكافأة الإخوان المسلمين. و الثانية كانت في عام 1980 ، أيضاً في فترة غياب مجلس الأمة و تعطيل أحكام الدستور حيث إنشأت لجنة غير دستورية لبحث الموضوع و رفع التوصيات ، و لم ترفض حركتكم الموقرة ذلك بل إكتفت بنصح أعضاء اللجنة بتحري الصدق و الأمانة في عملهم. و كانت المحاولة الثالثة في عام 1982 ، و تصدت له القوى الشعبية و خصوصاً الليبرالية منها مما أدى الى سحب الحكومة لمشروعها. 9
أما بخصوص دواوين الإثنين .. فلقد ذكرت في مقالي إن حركة الإخوان المسلمين إنضمت الى المعارضة السياسية للمرة الأولى في تاريخها عبر الحركة الدستورية و مجموعة ال 45 التي نظمت دواوين الإثنين. لكن ماذا كان موقف الإخوان المسلمين في النهاية عندما تم رفض المطالب و صدر مرسوم إنتخابات المجلس "الوثني" ؟؟ لم تجاوزت ما ذكرت يا بو أكرم؟ ألم توافق حركة الإخوان المسلمين على إنشاء المجلس الوثني؟ التعديل الوحيد الذي تقدمت به آنذاك .. هو أن تكون مدة المجلس سنة واحدة بدلاً من أربع سنوات !! أما الدستور .. و مكتسبات الشعب .. و الذود عن حرياته .. فيمكنه الإنتظار قليلاً من أجل عيون المكاسب التي حققتها الحركة من خلال طعنها للدستور. 9
هل عرفتم الآن من يتجاوز الحقائق و يشوه التاريخ؟و الآن الى سؤالك .. حول سبب عدم مشاركة الليبرالين في التجمع. رغم إن هذا السؤال يجب أن يوجه الى المنبر الديمقراطي و التحالف الوطني الديمقراطي الذين لا أمثلهما ، و لكنني سأجيب بما أظنه و أعتقده ،، هو أن سبب عدم الحضور هو عدم إعطاء الفرصة لحدس في التكسب السياسي و المزايدة على قضية .. لم تكن مدرجة يوماً ما على أجندتها الوطنية. فهي من لا يؤمن بالدستور و هي من يخالف نصوص الدستور .. هي من شارك في الحكومات غير الدستورية التي إستصدرت القوانين المقيدة للحريات .. و منها قانون التجمعات .. و هي من حاولت تنقيح الدستور بغير الطرق الشرعية .. و هي من شاركت في الإنتخابات الفرعية القبلية الطائفية .. هي من ترفض حرية المعتقد .. و حق إختيار التعليم .. و تفرض الوصاية على المجتمع وفق مفاهيمها الخاصة .. ضاربة بعرض الحائط المبادئ التي نص عليها دستور عبدالله السالم حول الحريات العامة و الحقوق و الواجبات .. و هي من تقف اليوم .. بقائمة مرشحين مؤجلة الى حين الإنتهاء من جريمة الإنتخابات الفرعية .. و من غير برنامج إنتخابي أو رؤية سياسية .. تستطيع بها إقناع الناخبين. فهي تملك نصف الأسماء لكن بلا طرح إنتخابي .. إنما فقط المزايدات الرخيصة. 9
و من دواعي الدهشة .. أنه في 6 أبريل .. دعت المعارضة السياسية في مصر الى إضراب شامل .. تخلفت عنه حركة الإخوان المسلمين .. كي لا تعطي الفرصة لخصومها من حركة كفاية بحشد مزيد من الأتباع .. و تأتي حركة الإخوان المسلمين الكويتية .. و تستكثر على خصومها .. الفعل نفسه !! 9
عدم الحضور (في رأيي الشخصي) خطأ. فالقضية أكبر من حدس و مزايدات حدس. تلك حقيقة. لكن مزايدة حدس على دستور لم تحترمه قط هي حقيقة أخرى.9
أفبعد هذا ، تأتي حدس و تزايد على الدستور و على قانون التجمعات التي هي كانت سبباً في إقرارها؟ حسبي الله و نعم الوكيل عليكم ! 9
صدقني ، الوقت الذي أمضيته في كتابة هذا الرد ، لم يكن لإقناعك أبداً في صدق ما أقول ، مع إنني تعمدت وضع المصادر التي أمتلكها كلها في مكتبتي و يمكنك إستعارتها في أي وقت شئت. و لكن الهدف هو فقط تعرية مواقف حدس الإنتهازية أمام الجميع. فعلاً أصبح هذا الدستور بمثابة قميص يوسف!! 9
إنهم كذابون .. و الكذاب منافق .. و المنافق غير مؤتمن على مصالح الشعب. لا تعطوهم أصواتكم !! 9
إنتهى ! 9

