لقد جن جنون النظام المصري ، فسبعمائة ألف عنصر من الأمن المركزي تراقب الأوضاع في منطقة القاهرة الكبرى؟ هل تعون هذا الأمر؟ هذا يمثل نفس حجم الجيش العراقي في حرب 1990. و هذه العناصر لا تنتمي للجيش و ليست معنية بالأمن الخارجي. بل بالمحافظة على أمن النظام الداخلي. هذا هو حجم إهتمام النظام المصري بمسألة التوريث. و هذا ما جعلني أستعرض الأنظمة في جمهوريات "الموز" العربية. هل هي فعلاً نظم جمهورية تعتمد على البرامج الحزبية و الإيدليوجيات الفكرية؟ أم هي أقنعة لأنظمة وراثية؟ ما فرق مصر عن سوريا عن ليبيا عن تونس عن فلسطين عن المملكة العربية السعودية؟
النظام المصري برأ صاحب عبارة الموت و الذي تسبب بإزهاق أرواح الألوف من المصريين الأبرياء و سهل تهريبه الى الخارج. النظام المصري حاول مقاومة تسليم المسئول الحزبي الكبير و الذي خطط و دفع لعملية قتل بشعة نحرت فيها فنانة لبنانية في دبي. و لولا غيرة السلطات الإماراتية على سمعتها كواحة أمن و أمان يستظل بها الجميع ، لكان حال "هشام طلعت باشا" من حال صاحب العبارة الغريقة المتنفذ الحزبي "ممدوح إسماعيل". النظام المصري لا يقدر على تمرير قانون بمنع الإحتكار بعد أن أضر بمصالح المتنفذ الحزبي "أحمد عز" صاحب مصانع الحديد الصلب. النظام المصري لا يقدر على ضبط التدعيم التمويني للدقيق و القمح. 9
سابقاً ، كنت أحد المعجبين بهذا النظام و كنت أعقد المقارنة بينه و بين النظام البعثي السوري الذي خصص 70% من الناتج القومي للمجهود الحربي و هو الذي يطلق طلقة واحدة في إتجاه الكيان الصهيوني منذ 25 سنة. و لكنه مهووس بالإستخبارات الداخلية و تعذيب المعارضين و ملاحقتهم حاله كحال شقيقه الحزبي العراقي. لكن النظام المصري إستطاع توطين صناعات ضخمة في مصر و جذب الكثير من الإستثمارات الأجنبية. و تحسنت مداخيل المواطن المصري الذي أهدرت كرامته في ستينيات و سبعينيات و ثمانينيات القرن الماضي. 9
لكن ما يحصل اليوم من عمليات تعذيب منظمة في مصر الذي أهدر كرامة المواطن المصري داخل بلده و تخلى عن الثقل الإقليمي الذي تمتعت به مصر و قيادتها التاريخية التي بُوساطة جمال عبدالناصر ، يدل على إهتمام النظام بأمر واحد فقط : التوريث ! 9
من خلال هذه الأحداث أود إستخلاص ملاحظتين قد تنفعنا نحن في الكويت : 9
الأولى هي إن السياسات لا يمكن أن تكون ناجحة طوال الوقت. لكن يجب أن تكون متغيرة و مرنة. و أي نظام ناجح يجب أن يتمتع بأدوات الرصد و المتابعة و التصحيح. هذه الأدوات تتلخص بكلمة واحدة هي "الديمقراطية". من غير ديمقراطية لا يمكن لأي نظام مهما كان ناجح إقتصادياً أن يستمر بالنجاح دون أن يعي المتغيرات الداخلية و الخارجية و يعمل على تصحيح سياساته من أجل إستيعاب الأخطاء. 9
الثانية هي إن في غياب هوامش الديمقراطية الحقة ، فإنه من الخطير جداً أن نعتمد على طبقة "رجال الأعمال" التي تبحث عن مصالحها و تنخر فساداً في جدار الأمن الإجتماعي. كثيرٌ منا يحذر من أهمية عدم تزاوج الدين بالسياسة. أنا أقول بأنه من الأهمية بمكان أن لا تتزاوج السياسة بالمصالح الإقتصادية. 9
كما أشار زميلي فرناس : الطبقة الوسطى ، و أنا أشدد على أبناء القبائل بالتحديد ، هي من بيده مفاتيح الحل. 9
9








